الوحي الإلهي .
ويلزم - على زعمهم - أن يكون أبو بكر وعثمان أشفق على أهل الاسلام
والايمان من الرسول الذي أرسله الرحمن لهداية الإنس والجان ، لأنه صلى الله عليه
وآله - بزعمهم - أهمل أمر الأمة ولم يوص لهم بشئ ، وهما أشفقا على الأمة حذرا
من ضلالتهم فعينا لهم جاهلا شقيا فظا غليظا ليدعو الناس إلى نصبهم وغباوتهم ،
ويصرفهم عن أهل بيت نبيهم صلوات الله عليه [ كذا ] .
والعجب من عمر كيف لم يقل لأبي بكر - في تلك الحالة التي يغمى عليه
فيها ساعة ويفيق أخرى - إنه ليهجر ، ويمنعه من الوصية كما منع نبيه صلى الله
عليه وآله ونسبه إلى الهجر ؟ ! .
وكيف اجترأ أبو بكر على ربه في تلك الحالة التي كان يفارق الدنيا ويرد على
ربه تعالى فحكم بكون عمر أفضل الصحابة مع كون أمير المؤمنين عليه السلام
بينهم ، وقال فيه نبيهم : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك . . وسائر ما رووه في
صحاحهم فيه عليه السلام ، وأنزله الله فيه صلوات الله عليه ؟ ! .
وهل يريب لبيب في أن تلك الأمور المتناقضة ، والحيل الفاضحة الواضحة
لم تكن إلا لتتميم ما أسسوه في الصحيفة الملعونة من منع أهل البيت عليهم
السلام عن الخلافة والإمامة ، وحطهم عن رتبة الرئاسة والزعامة ، جزاهم الله
عن الاسلام وأهله شر الجزاء ، وتواتر عليهم لعن ملائكة الأرض والسماء .
أقول : وقد مر في باب ما أظهرا ( 1 ) من الندامة عند الوفاة ما يناسب هذه
خاتمة ( 2 ) .
هامش
( 1 ) في ( ك ) : أظهر .
( 2 ) تذييل :
بسم الله الرحمن الرحيم
* ( وما محمدا إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب
على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) * آل عمران : 144 .
قد سلفت من المصنف قدس سره في أوائل الجزء الثامن والعشرين - باب افتراق الأمة بعد النبي
صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاث وسبعين فرقة ، وأنه يجري فيهم ما جرى في غيرهم من الأمم ،
وارتدادهم عن الدين - جملة من الروايات الارتداد من الطريقين ، وروى في صحيح البخاري في
الرقاق باب في الحوض عن النبي ( ص ) قال : أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ثم
ليختلجن دوني فأقول : يا رب أصحابي ! فيقال لأنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، ورواه عن أبي
هريرة وحذيفة بطرق أخر ، وعن ابن مسيب باختلاف يسير ، وجاء في المسند أحمد بن حنبل 1 / 384
و 402 ، و 406 ، و 407 ، و 453 ، و 455 ، 2 / 281 .
وفي جامع الأصول 11 / 120 عن الصحيحين - البخاري ومسلم - ، عن أبي هريرة ، أن رسول
الله ( ص ) قال : يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي - أو قال من أمتي - فيحلؤن عن الحوض ،
فأقول : يا رب ! أصحابي ، فيقول : لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أعقابهم
القهقرى . .
وبهذا المضمون روايات مستفيضة بل متواترة ، انظر بحار الأنوار 28 / 27 - 32 ، وحيث جاء
بجملة روايات عن طريقهم حرية بالملاحظة والتدبر ، فراجع ، وانظر : صحيح مسلم كتاب الجنة
وصفة نعيمها ، والترمذي في صحيحه المجلد الثاني باب ما جاء في شأن الحشر ، وصحيح النسائي
المجلد الأول في ذكر أول من يكسى يوم القيامة ، ومسند أحمد بن حنبل 1 / 235 ، 353 ،
2 / 300 ، 408 ، 454 ، 5 / 48 ، 50 ، 388 ، 400 . وراجع : ترجمة بسر بن أرطأة في
الاستيعاب ، وكنز العمال 6 / 424 ، 7 / 224 ، 7 / 224 - 225 ، وتفسير ابن جرير 4 / 27 ،
ومجمع الزوائد 10 / 364 - 365 . وقال في الإصابة : 3 / القسم الأول - 84 بسنده عن أبي سعيد ، قلنا له هنيئا لك برؤية رسول
الله ( ص ) وصحبته . قال : إنك لا تدري ما أحدثنا بعده . ونظيره ما رواه البخاري في صحيحه في
كتاب بدأ الخلق في غزوة الحديبية عن البراء بن عازب ، وما جاء في طبقات ابن سعد 8 / 51 عن
عائشة ، وفي تهذيب التهذيب 8 / 9 عن عمرو بن ثابت ، قال : لما مات النبي ( ص ) كفر الناس إلا
خمسة . ومنها : أن لسان أبي بكر قد أورده الموارد .
فقد جاء في حلية الأولياء 9 / 17 بسنده عن أسلم : أن عمر اطلع على أبي بكر وهو آخذ بطرف
لسانه فيعضعضه وهو يقول : إن هذا أوردني الموارد . وقريب منه في موطأ مالك في كتاب الجامع ما
جاء فيما يخاف من اللسان ، وطبقات ابن سعد 5 / 5 ، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال 2 / 173
وقال : رواه مالك وابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وهناد والخرائطي ،
وجاء في تفسير الدر المنثور ذيل قوله تعالى : * ( لا خير في كثير من نجواهم ) * من سورة النساء ، وقال :
أخرج أحمد والنسائي والبيهقي عن زيد بن أسلم . . . إلى آخره . ونظيره في مجمع الزوائد للهيثمي
10 / 302 .
ومنها : كون الخليفة سبابا بذي اللسان .
فقد سلف أن أوردنا لك في رأيه في القدر ، وقوله للرجال : يا بن اللخناء . . وما أجاب به السائل
من السباب المقذع والتمني بأن يكون عنده من يجاء أنفه مع عدم بيانه لما سأله وعدم ايفاء الرجل
إلى الحق ، ويظهر من الخصائص الكبرى 2 / 86 ما كان بينه وبين عقيل - وبمحضر من رسول الله
صلى الله عليه وآله ومشهد من المسلمين - من التنازع والشتم ، ويظهر من القصة أنها كانت في
أخريات أيام الرسالة ، مع ما روته العامة وجاء عن طريق الخاصة من أن : سباب المسلم فسوق كما
في الصواعق المحرقة : 43 ، تاريخ الخلفاء : 37 . . وغيرها ، وحيث لا نريد الإطالة والتعليق ، نذكر
المصادر درجا ، ونحيل الامر إلى فطنة القارئ وتتبعه ، فانظر ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده
1 / 114 ، وابن ماجة في سننه 1 / 416 ، والخطيب البغدادي في تاريخه 5 / 144 ، والباقلاني في
التمهيد : 193 ، والطبري في تاريخه 3 / 212 ، وابن عساكر في تاريخه 1 / 117 ، وابن الأثير في
الكامل 2 / 139 ، وأبي الفداء في تاريخه 1 / 156 ، والروض الانف 2 / 375 ، وغيرها .
ومنها : إعراض رسول الله ( ص ) عنهم :
فقد وردت في ذلك روايات عن طريقهم ، منها ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 3 / 219 بسنده
عن أنس عندما شاور رسول الله ( ص ) الناس يوم بدر . وانظر 3 / 257 .
وقد روى أحمد بن حنبل في مسنده 1 / 155 بسنده ، قال : جاء النبي ( ص ) أناس من قريش ،
فقالوا : يا محمد ! إنا جيرانك وحلفائك وإن ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا
رغبة في الفقه ، إنما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم إلينا ، فقال لأبي بكر : ما تقول ؟ . قال :
صدقوا ، إنهم جيرانك وحلفائك . قال : فتغير وجه النبي ( ص ) ، ثم قال لعمر : ما تقول ؟ . قال :
صدقوا ، إنهم جيرانك وحلفائك ، فتغير وجه النبي ( ص ) ، ورواه النسائي في خصائصه : 11 ، وزاد
عليه ، ثم قال النبي ( ص ) : يا معشر قريش ! والله ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه
للايمان فيضربكم على الدين أو يضرب بعضكم . قال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ؟ . قال : لا .
قال عمر : أنا هو يا رسول الله ؟ . قال : لا ، ولكن ذلك الذي يخصف النعل ، وقد كان أعطى عليا
عليه السلام نعلا يخصفها .
ومنها : جبن الشيخين وانهزامهم في الحروب :
فقد أورد الحاكم في مستدركه على الصحيحين 3 / 37 عن علي عليه السلام أنه قال : يا أبا ليلى !
أما كنت معنا بخيبر ؟ . قال : بلى والله كنت معكم ، فإن رسول الله ( ص ) بعث أبا بكر إلى خيبر ،
فسار بالناس وانهزم ورجع . قال : هذا حديث صحيح الاسناد ، وذكر جملة أحاديث ، منها : ما رواه
في 3 / 38 بسنده عن جابر : أن النبي ( ص ) دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق فرجع يجبن
أصحابه ويجبنونه . وذكره في كنز العمال 5 / 284 عن بريدة . وانظر : تاريخ ابن جرير 2 / 300
بطريقين ، والنسائي في خصائصه : 5 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 150 ، والمحب الطبري في
الرياض النضرة 2 / 187 ، وهذا متفق عليه في وقعة خيبر لم يرتب به ذو مسكة
انظر : كنز العمال 5 / 283 - 284 ، 6 / 394 ، وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وابن ماجة
والبزار وابن جرير ، وصححه الطبراني في الأوسط ، والحاكم والبيهقي في الدلائل والضياء المقدس .
وأورده في مجمع الزوائد للهيثمي 2 / 151 ، 9 / 124 ، وذكر له عدة روايات .
وعن عائشة - كما في كنز العمال 5 / 274 - أنها قالت : كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى . . .
ثم أنشأ - يعني أبا بكر - يحدث ، قال : كنت أول من فاء يوم أحد - أي رجع وفر - .
ونحن نقول : نأخذ بإقرارها وإقراره دون ادعائهم ، مع أنه ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم
أنه قال - كما في شرح الجامع الصغير 3 / 458 للمناوي - : خمس ليس لهن كفارة : الشرك بالله ،
والفرار من الزحف . . إلى آخره .
ولنختم بحثنا بإيراد ما أورده الطبري في تاريخه 4 / 52 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 / 18 ،
والمسعودي في مروج الذهب 1 / 414 ، وأبو عبيدة في الأموال : 131 ، وابن عبد ربه في العقد الفريد
2 / 254 . . وغيرهم .
ذكروا عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال : دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه ، فأصابه
مهتما . . . وفيه : قال أبو بكر : . . أجل إني لا آسى على شئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت
أني تركتهن ، وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن ، وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله ( ص ) .
فأما الثلاث اللآتي وددت أني تركتهن : فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ وإن كانوا قد
غلقوه على الحرب ! ، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي ، وأني كنت وإن قتلته سريحا ، أو
خليت نجيحا ، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي ، وأني كنت وإن قتلته سريحا ، أو
خليت نجيحا ، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين - يريد
عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا .
وأما اللآتي تركتهن : فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه ، فإنه
تخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه ، ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت
أقمت بذي القصة فإن ظفر المسلمون ظفروا ، وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد ، ووددت أني
وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله . . ومد يديه .
ووددت أني كنت سألت رسول الله ( ص ) لمن هذا الامر ؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أني كنت
سألته هل للأنصار في هذا الامر نصيب ؟ ، ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة ،
فإن في نفسي منهما شئ .
وأوردها أيضا ابن جرير في تاريخه 2 / 619 ، وجاء ذكرها في ميزان الاعتدال 2 / 215 ، وغيرهما .
وتلك جولة لنا مع الباطل وننتظر دولة الحق معهم ، وقد ألفيت أول خليفتهم أبي بكر الذي لم
يعهد له نبوغ في علم ، أو تقدم في جهاد ، أو تبرز في أخلاق ، أو تهالك على عبادة ، أو ثبات على
مبدأ ، وليت شعري ما الذي نقموه من أبي الحسن صلوات الله عليه ؟ ! . فارجع النظر كرتين ، عسى
أن يعود عليه بالحق .
فنحن قد راجعنا كتب التفسير فلم نجد ما يؤثر عنه في هذا العلم شئ يحفل به ، وكل ما جاء
عنه هو جهله في الأب في قوله عز اسمه : * ( وفاكهة وأبا ) * ، والكلالة ، وغيرهما ، وهو - وأيم الله - جهل
بلغة العرب الأصلية ، لا بمعاني القرآن العظيمة ، وأما السنة ، فها إمامهم أحمد بن حنبل - مع
دعواهم أنه كان يحفظ ألف ألف حديث ! ! ، والتقط مسنده من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف
حديث - لم يثبت لخليفتهم الأول إلا ستين حديثا - بحذف المتكرر - 1 / 2 - 14 ، وأكثر ما أوردوه
له كلام لم ينقله عن رسول الله ( ص ) ، هذا مع كل ما فيه من وضع وتدليس ، وقد ناقش العلامة
الأميني طاب ثراه في غديره ما أورده له من أحاديث بما لا مزيد عليه 7 / 108 - 120 .
ونحسب أن في ما ذكرناه للخليفة من القضايا - مع قلته - غنية وكفاية ، وتذكرة وهداية ، لمن ألقى
السمع وهو شهيد .