وهو رب البيت الحرام والركن والمقام ، وما استجرنا به قط إلا أجارنا ، فقوموا
وبادروا . قال : فقام القوم وارتحلوا ، فجعلوا يسيرون سيرا رويدا ، ونحن نتبعهم
بالركض الحثيث والسير الشديد فلا نلحقهم ، وكثر تعجبنا من ذلك ، ونظر بعضنا
إلى بعض وقلنا : يا قوم ! هل رأيتم أعجب من هذا ؟ ! إنهم يسيرون سيرا رويدا
ونحن نتراكض فلا يمكننا أن نلحقهم ، فما زال ذلك دأبنا ودأبهم ثلاثة أيام
ولياليها ، كل يوم يخطون فيقوم عبد الله فيخط خطا حول القافلة ويقول لأصحابه :
لا تخرجوا من الخط فإنهم لا يصلون إليكم فننتهي إلى الخط فلا يمكننا أن
نتجاوزه ، فلما كان بعد ثلاثة أيام - كل يوم يسيرون سيرا رويدا ونحن نتراكض -
أشرفنا على هلاك أنفسنا وعطبت دوابنا وبقينا لا حركة بنا ولا نهوض ، فقلنا : يا
قوم ! هذا والله العطب والهلاك ، فما ترون ؟ . قالوا : الرأي الانصراف عنهم ( 1 ) ،
فإنهم قوم سحرة . فقال بعضهم لبعض : إن كانوا سحرة فالرأي أن نغيب عن
أبصارهم ونوهمهم أنا قد انصرفنا عنهم ، فإذا ارتحلوا كررنا عليهم كرة وهجمنا
عليهم في مضيق . قالوا : نعم الرأي هذا ، فانصرفنا عنهم وأوهمناهم أنا قد يئسنا ،
فلما كان من الغد ارتحلوا ومضوا فتركناهم حتى استبطنوا واديا فقمنا فأسرجنا وركبنا
حتى لحقناهم ، فلما أحسوا بنا فزعوا إلى عبد الله بن عبد المطلب ، وقالوا : قد
لحقونا . فقال : لا بأس عليكم ، امضوا رويدا . قال : فجعلوا يسيرون سيرا
رويدا ، ونحن نتراكض ونقتل أنفسنا ودوابنا حتى أشرفنا على الموت مع دوابنا ،
فلما كان في آخر النهار قال عبد الله لأصحابه : حطوا رواحلكم ، وقام فخط خطا
وقال : لا تخرجوا من الخط فإنهم لن يصلوا إليكم بمكروه ، فانتهينا إلى الخط فوالله
ما أمكننا أن نتجاوزه ، فقال بعضنا لبعض : والله ما بقي إلا الهلاك أو الانصراف
عنهم على أن لا نعود إليهم . قال : فانصرفنا عنهم فقد عطبت دوابنا وهلكت ،
وكانت سفرة مشومة علينا ، فلما سمعوا ذلك من الشيخ قالوا : ألا أخبرتنا بهذا
هامش
( 1 ) لا توجد : عنهم ، في ( س ) .