تبيين وتتميم ( 1 ) اعلم أنه لما كان أمر الصلاة عمدة ما يصول به المخالفون ، في خلافة أبي بكر وظهر من تلك الأخبار أنه حجة عليهم لا لهم ، أردت أن أوضح ذلك بنقل أخبارهم والإشارة إلى بطلان حججهم . فمن جملة الاخبار التي رووه في هذا ما أسندوه في صحاحهم إلى عائشة : .
هامش
( 1 ) أقول : ستمر عليك في المقام أحاديث مستخرجه من أصول القوم وصحاحهم تصرح
بأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمر أبا بكر أن يصلى بالناس في مسجده ، وان اختلفت من حيث الوقت
والمقام وعدد الأيام ، ولكن بعد التأمل في مضامينها وعرضها على التاريخ الصحيح المتسالم
بين الفريقين ، يظهر أنها غير صالحة للاحتجاج على ما ستقف عليه .
فأول ما يحب التنبه له ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد كان سير أبا بكر وهكذا عمر وجميع
المهاجرين الأولين ووجوه الأنصار في جيش أسامة ( وهو ابن سبع عشرة سنة ) قبل شكواه بيومين
وأمرهم بالخروج إلى أرض أبنى ليغير عليهم ويوطئهم الخيل وإذا كان ص قد أمره بالخروج
عن المدينة في عسكر أسامة ، فكيف يصح أن يأمره ثانيا بالصلاة بالمسلمين ؟
بل وكيف تقبل صلاته في مسجد الرسول - أو صلاة عمر بن الخطاب على ما في بعض
الروايات - وقد كانوا متخلفين عن أمر رسول الله في دخولهم إلى المدينة وخصوصا بعد ما أصر
رسول الله بتنفيذ جيشه ولعن المتخلف عنها :
ففي طبقات ابن سعد ( ج 2 ق 1 ص 136 ) قالوا : لما كان يوم الاثنين لا ربع ليال
بقين من صفر سنة 11 من مهاجر رسول الله أمر رسول الله الناس بالتهيؤ لغزو الروم ، فلما
كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال : سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك
هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الاخبار . . . فلما
كان يوم الأربعاء ، بدئ برسول الله فحم وصدع ، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء
بيده ثم قال : أغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله ، فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى
بريدة بن الحصيب الأسلمي وعسكر بالجرف ، فلم يبق أحمد من وجوه المهاجرين الأولين
والأنصار الا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن
الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم فتكلم قوم وقالوا
يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين فغضب رسول الله غضبا شديدا فخرج وقد عصب
على رأسه عصابة وعليه قطيفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس !
فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في امارتي أسامة لقد طعنتم في
امارتي أباه من قبله وأيم الله إن كان للامارة لخليقا وان ابنه من بعده لخليق للامارة . . .
ثم نزل فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول وجاء المسلمون الذين
يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله ويمضون إلى العسكر بالجرف ، وثقل رسول الله فجعل
يقول : أنفذوا جيش أسامة ( وزاد في رواية أخرجها ج 2 ق 2 ص 41 : ثلاث مرات )
فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله وجعه يرفع إلى السماء ثم يضعها على أسامة ( بل
يصبها على أسامة كما في رواية أخرى سيجئ نصها ) قال : فعرفت أنه يدعو لي ( وأقول :
بل قد كان يأمره بالرحيل وتنفيذ الجيش اللهم الا أن يزعم أحد أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يشير إلى
الله ليفتهم عنه ويجيب دعاءه ، نعوذ بالله من الكفر ) ورجع أسامة إلى معسكره ثم دخل يوم
الاثنين وأصبح رسول الله مفيقا فقال له : اغد على بركة الله ، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره
فأمر الناس بالرحيل ، فبينا هو يريد الركوب ، إذا رسول أمه أم أيمن ( وفى رواية أخرى
ج 4 ق 1 ص 47 فاطمة بنت قيس امرأته ) قد جاءه يقول : ان رسول الله يموت . . .
وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري على ما في شرح النهج ج 2 ص 20
ان رسول الله في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين
والأنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير
وامره أن يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد - إلى أن قال - فلما افاق رسول الله سأل عن
أسامة والبعث فأخبر انهم يتجهزون فجعل يقول : " أنفذوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه "
وكرر ذلك فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى إذا كان بالجرف نزل
ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين . . قال : فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن
ماتا الا بالأمير .
وفى شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 ص 53 ( شرح الخطبة الشقشقية ) مثل ذلك
مستوعبا وفيه " فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار الا كان في ذلك الجيش منهم
أبو بكر وعمر " وفيه " فدخل أسامة من معسكره والنبي مغمور . . فتطأطأ أسامة عليه فقبله
ورسول الله قد أسكت فهو لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة كالداعي
له ثم أشار إليه بالرجوع إلى عسكره والتوجه لما بعثه فيه فرجع أسامة إلى عسكره . .
إلى أن قال :
فدخل أسامة من معسكره يوم الاثنين الثنى عشر من شهر ربيع الأول فوجد رسول الله
مفيقا فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ وقال : اغد على بركة الله وجعل يقول أنفذوا بعث أسامة
ويكرر ذلك ، فودع رسول الله وخرج معه أبو بكر وعمر ، فلما ركب جاءه رسول أم أيمن
فقال : ان رسول الله يموت فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله حين زالت
الشمس من هذا اليوم وهو يوم الاثنين وقد مات ، الخبر ، وسيجئ شطر آخر من كلامه نقلا
عن شيخه اللمعاني في ص
وفى كنز العمال ج 5 ص 312 ومنتخبه ج 4 ص 180 نقلا عن مسند ابن أبي شيبة
باسناده عن عروة أن النبي كان قد قطع بعثا قبل موته وأمر عليهم أسامة بن زيد ، وفى ذلك
البعث أبو بكر وعمر فكان أناس من الناس يطعنون في ذلك الحديث بطوله
وفى ص 181 من المنتخب نفسه عن الواقدي باسناده عن عروة مثل ذلك وفيه :
" فعسكر أسامة بالحرف وضرب عسكره في موضع سقاية سليمان اليوم وجعل الناس يأخذون
بالخروج فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره ومن لم يقض حاجته فهو على فراغ ولم
يبق أحد من المهاجرين الأولين الا انتدب في تلك الغزوة عمر بن الخطاب وأبو عبيدة و . .
و . . " الحديث بطوله
فتراه قد أسقط أبا بكر من المنتدبين بعد ما كان مذكورا في حديث عروة على ما
عرفت من مسند ابن أبي شيبة ، وكأنه سها حيث ذكر في ذيل الحديث أنه لما كان يوم -
الاثنين يوم الوفاة " غدا أسامة من معسكره وأصبح رسول الله مفيقا فجاءه أسامة فقال اغد
على بركة الله فودعه أسامة ورسول الله مفيق مريح وجعل نساؤه يتماشطن سرورا براحته ،
ودخل أبو بكر الصديق فقال : يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله واليوم يوم ابنة خارجة
فائذن لي فأذن له فذهب إلى السنح وركب أسامة إلى معسكرة وصاح في أصحابه باللحوق
إلى العسكر فانتهى إلى معسكره ونزل وأمر الناس بالرحيل . . . "
فلو لا أنه كان في المنتدبين من جيش أسامة لما كان لاستيذانه معنى أبدا ، وحديث
استيذانه هذا قد رواه ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2 ص 17 وسيجئ لفظه عن قريب
انشاء الله وهكذا رواه ابن هشام في السيرة ج 2 ص 654 .
وهكذا في الطبقات ( ج 4 ق 1 ص 46 ) باسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال : أمر
رسول الله أسامة بن زيد وأمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر . . . فخرج معه سروات
الناس وخيارهم ومعه عمر " الحديث ولم يذكر أبا بكر .
ثم ذكر أن يزيد بن هارون روى في حديثه هذا عن هشام نفسه عن أبيه بنحو هذا
الحديث وزاد في الجيش الذي استعمله عليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ، قال : وكتبت
إليه فاطمة بنت قيس ان رسول الله قد ثقل وانى لا أدرى ما يحدث فان رأيت أن تقيم فأقم ،
فدوم أسامة بالجرف حتى مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وهكذا ذكر ابن عساكر على ما في منتخب كنز العمال ج 4 ص 184 وهكذا الطبري
في تاريخه ج 3 ص 226 بالاسناد عن الحسن بن أبي الحسن البصري قال : ضرب رسول الله
بعثا قبل وفاته على أهل المدينة ومن حولهم وفيهم عمر بن الخطاب ، وأسقطوا ذكر أبى بكر
وغيره من المنتدبين المسمين بأعيانهم .
وهكذا ذكر ابن هشام في السيرة ج 2 ص 642 والطبري في تاريخه ج 3 ص 184
بعث أسامة هذا ولم يسم أحدا من المنتدبين لكنه قال : " وأوعب مع أسامة المهاجرون
الأولون " ومعلوم أن أبا بكر وعمر عندهم من المهاجرين الأولين .
وذكر ابن سعد في الطبقات أيضا ( ج 4 ق 1 ص 46 وج 2 ق 2 ص 41 ) عن ابن
عمر أن النبي بعث سرية فيهم أبو بكر وعمر واستعمل عليهم أسامة بن زيد ، فكانوا الناس
طعنوا فيه أي في صغره الحديث .
وفى الطبقات ( ج 2 ق 2 ص 41 ) عن ابن أسامة ، عن أبيه قال : بلغ النبي قول الناس :
استعمل أسامة بن زيد على المهاجرين والأنصار فخرج رسول الله حتى جلس على المنبر فحمد
الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس أنفذوا بعث أسامة . . . قال :
فخرج جيش أسامة حتى عسكروا بالجرف وتتام الناس إليه فخرجوا وثقل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
فأقام أسامة والناس ينتظرون ما الله قاض في رسول الله ، قال أسامة : فلما ثقل هبطت من
معسكري وهبط الناس معي وقد أغمي على رسول الله فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء
ثم يصبها على فأعرف أنه يدعو لي .
قلت : ترى ذيل الحديث من قوله " لما ثقل " في الترمذي ج 5 ص 341 تحت الرقم
3906 مسند الإمام ابن حنبل ج 5 ص 201 باسنادهما عن ابن أسامة نفسه ، ولا يريب
ذو لب في سقوط صدر الحديث ، كما أن سائر أصحاب الصحاح قد أخرجوا في كتبهم حديث
الطعن على أسامة من حديث ابن عمر وكلام النبي الأعظم في ردهم " ان تطعنوا في امرته
فقد كنتم تطعنون في امرة أبيه " وأسقطوا سائر الفقرات صونا على مذهبهم ، راجع صحيح
البخاري كتاب الايمان الباب 2 ، فضائل الصحابة ب 17 ، المغازي : 42 و 87 صحيح مسلم
فضائل الصحابة 63 و 64 ( ج 7 ص 131 ) صحيح الترمذي كتاب المناقب الباب 39 ( ج
5 ص 341 مسند ابن حنبل ج 2 ص 20 .
وعلى أي فقد أجمع أصحاب السير والاخبار على أن أبا بكر وعمر وجميع المهاجرين
الأولين ووجوه الأنصار كانوا في جيش أسامة مأمورين بانفاذ الجيش والخروج إلى معسكرهم
وفيما ذكرناه بلاغ وكفاية ، وسيأتي بسط ذلك في أبواب المطاعن عن ساير المصادر
مستوعبا ، وإذا كان الامر كذلك فلا يريب منصف في أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن ليأمر أبا بكر
بالصلاة ولا عمرو لا غيره من هؤلاء المهاجرين والأنصار ، بعد ما أمرهم بالخروج عن المدينة
ولا كان أبو بكر وعمر وغيرهما من أهل الصحيفة المعهودة أن يجبهوا رسول الله بالمخالفة
العلنية فيحضروا عنده أو يشخصوا إليه بأبصارهم ويرفعوا إليه رؤوسهم ، اللهم الا متسللين لواذا
يتجسسون الاخبار من وراء الحجاب فكيف بما روى أن أبا بكر كان يصلى بهم أيام شكوى
رسول الله ثلاثة أيام أو أكثر .
فالظاهر من الحال بضميمة سائر ما روى في الباب أنه قد كان دخل أبو بكر إلى المدينة
وقد ثقل رسول الله ، فأمر الناس أن يصلى بهم أحدهم ، فأخبرت عائشة من كان على الباب
خلف الحجاب - وهو بلال على ما ستقف عليه - أنه ص يأمر أبا بكر بالصلاة بهم ، فتقدم
أبو بكر من دون ريث وصلى بهم ركعة فنذر بذلك رسول الله فخرج على ما به يتهادى بين
على والفضل بن عباس ورجلاه تخطان على الأرض من شدة الوجع حتى عزله عن ذلك غضبا
عليه من مخالفة أمره حيث لم ينفذ جيش أسامة ودخل المدينة بغير اذنه وسيتلو عليك تمام
الكلام في كل فرد فرد من الأحاديث اتى سردها المؤلف العلامة في المتن انشاء الله تعالى