فرجحت بهم ، ثم زاد عشرة فرجحت بهم ، ثم قال ( 1 ) : لو وزنته بجميع الأمم ( 2 ) لرجح
بهم ، ثم عرجا نحو السماء وأنا أنظر إليهما ، فقالت حليمة لبعلها : الرأي أنا نحمل محمدا "
إلى جده ، فقال : يمنعني من ذلك خبث نفسي من فراقنا ( 3 ) له ، وإنه أعز عندنا من
الأولاد ، فلما سمعت كلام بعلها قالت : ما يوصل هذا الصبي إلى جده إلا أنا بنفسي ،
ثم أقبلت إليه وقالت : يا ولدي إن جدك إليك مشتاق وعمومتك ، فهل لك أن تسير إليهم ؟
قال : نعم ، فقامت حليمة وشدت على راحلتها وركبت ، وأخذت محمدا " قدامها وسارت طالبة
مكة ، وكان عبد المطلب قد أنفذ إليها أن تحمل ولده إليه ، فكانت إذا نزلت في هبوط ضمته
إليها ، وإذا رأت راكبا " غمته ( 4 ) خوفا " عليه إلى أن وصلت حيا " من أحياء العرب ، وكان
عندهم كاهن وقد سقط حاجباه على عينيه من طول السنين ، والناس عاكفون عليه ، فلما
جازت عليهم غشي عليه ، فلما أفاق قال : يا ويلكم بادروا إلى المرأة التي مرت راكبة ،
وخذوا منها الصبي الذي عندها واقتلوه قبل أن يخرب بلادكم ، قالت حليمة : وإذا أنا
بالرجال قد أقبلوا إلي ، فوقعت عليهم ريح صرعتهم في الحال ، فسرت عنهم ولم أحفل
بهم ( 5 ) ، وجعلت أسير حتى بلغت إلى مكة ، فوضعت ولدي محمدا " صلى الله عليه وآله عند أناس جلوس ،
ومضيت عنه ناحية لحاجة ، فسمعت وجبة وصوتا " عاليا " ، فالتفت إلى ولدي فلم أره ، فسألت
عنه القوم الذين كانوا جلوسا " قالوا : ما رأيناه ، فسألوني عن اسمه ، فقلت : محمد بن عبد الله
ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، فقلت : وحق الكعبة والمقام لئن لم أجده رميت بنفسي
من أعلى هذا الحائط حتى أموت ، وسألتهم وأخذت في جد السؤال فلم تعط خبرا " ، فأخذت
جيبها ، ومزقت أثوابها ( 6 ) ، ولطمت وجهها ، وبكت وأكثرت البكاء ، وحثت التراب على
هامش
( 1 ) ثم قال له صاحبه خ لو وهو الموجود في المصدر .
( 2 ) في المصدر : بالأمة .
( 3 ) في المصدر : ثم أقبلت حليمة على بعلها وقالت له : الرأي المبارك أن توصل هذا الغلام
إلى جده ، فقال لها : دعيني من ذلك ، فما تطيب نفسي بمفارقته .
( 4 ) غيبته خ ل وهو الموجود في المصدر .
( 5 ) أي لم ابال بهم ولا أهتم لهم .
( 6 ) في المصدر : فلما سمعت كلامهم وضعت يدها في أطواقها ، ومزقت ثيابها .