فبادرت امرأة العزيز فقالت للعزيز : " ما جزاء من أراد بأهلك سوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم "
فقال يوسف للعزيز : " هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها " ( 1 ) فألهم الله يوسف أن قال
للملك : سل هذا الصبي في المهد فإنه يشهد أنها راودتني عن نفسي ، فقال العزيز للصبي
فأنطق الله الصبي في المهد ليوسف حتى قال : " إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من
من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين " فلما رأى العزيز
قميص يوسف قد تخرق من دبر قال لامرأته : " إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم "
ثم قال ليوسف : " أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين " وشاع الخبر
هامش
( 1 ) قوله تعالى : " وشهد شاهد " قال ابن عباس وابن جبير : انه كان صبي في المهد ، قيل :
وكان الصبي ابن أخت زليخا وهو ابن ثلاثة أشهر ، وقيل : شهد رجل حكيم من أهلها " وقال
نسوة " قيل : هن أربع نسوة ، امرأة ساقى الملك ، وامرأة الخباز ، وامرأة صاحب الدواب ، وامرأة
صاحب السجن ، وزاد مقاتل امرأة الحاجب " بمكرهن " سماه مكرا لان قصدهن كان ان تريهن يوسف ;
لأنها استكتمهن ذلك فأظهرته " واعتدت لهن متكأ " أي وسائد تتكين عليها ، وقيل : أراد به
الطعام لان من دعى إلى طعام يعد له المتكا وقيل : الطعام الزماورد .
وقال عكرمة : هو كل ما يجز بسكين لأنه يؤكل في الغالب على متكاء ، وقيل : إنه كان طعام
وشراب على عمومه .
وروى عن ابن عباس وغيره " متكأ " خفيفة ساكنة التاء ، وقالوا : المتك : الأترج .
أقول : لعل علي بن إبراهيم هكذا رواه فلذا فسره بذلك ، أو فسره بمطلق الطعام ،
ولما كان الواقع ذلك فسره به " فلما رأينه أكبرنه " أعظمنه وتحيرن في جماله " وقطعن
أيديهن " بتلك السكاكين على جهة الخطاء بدل قطع الفواكه ، فما أحسسن الا بالدم ، لم يجدن ألم
القطع لاشتغال قلوبهن بيوسف ، والمعنى : جرحن أيديهن ; وقيل : أبنتها وقلن حاش لله " أي صار
يوسف في حشا ، أي في ناحية مما قذف به لخوفه لله ومراقبة أمره ، أو تنزيها له عما رمته به
امرأة العزيز ، أو تنزيها لله من صفات العجز وتعجبا من قدرته على خلق مثله " ما هذا بشرا ان هذا
الا ملك كريم " أي هذا الجمال غير معهود من البشر بل ملك كريم لحسنه ولطافته أو لجمعه بين
الحسن الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة ، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال :
رأيت ليلة المعراج يوسف في السماء الثانية وصورته صورة القمر ليلة البدر " ثم بدا لهم " إنما لم
يقل " لهن " لأنه أراد به الملك أو زليخا بأعوانها فغلب المذكر . منه رفع الله درجاته .