تهدأ ولا تسكن .
وكان فنانا ، فكان يرضى نفسه قبل كل شيء ، تهتف به فيلبيها ، وتناديه فيجيبها ، وتحدثه فيقبل عليها ، ثم يستمع إلى نبراتها الخافتة التي لا تكاد تبين ، ويتحسس سكناتها الصامتة التي تخفي في قراره المعين ، فإذا فرغ إلى نفسه مرة أخرى رددها في أسلوب مفصح مبين ، أو سجلها عليها كلمات معجزة تنحدر من عليين ، أو أعادها إلى نفسه ليؤكد لها ما جاشت به من قول مخلص أمين .
اعترضه يوما « الشاه شجاع » حاكم شيراز وفاجأه بهذا القول : « إن غزلياتك لا تجري على منوال واحد ، ولا تصاغ على نمط واحد . بل كل واحدة منها تشتمل على بعض الأبيات في وصف الشراب ، وبعض الأبيات في التصوف ، والبعض الآخر في ذكر الأحبة ، وهذا التلون والتنوع ليسا من طريقة البلغاء » .
فتبسم حافظ ابتسامة خفيفة تحت شفته ، جمعت كل معاني السخرية ، وعدم الاهتمام ثم قال :
« إن ما تفضل بقوله مولاي هو عين الصدق والصواب ، ومع ذلك فشعرى قد طوّف بالآفاق ، بينما أشعار غيري لم تتعد هذه الأبواب ! ! » .
آراء الشراح في شعر حافظ
غير أن هذه القدرة الجامحة ، وهذا الاعتداد الزائد بالنفس ، وهذا الفن الرائع المندفع ، وهذا الأسلوب الرفيع المنقطع النظير ، كل هذه الأسباب وأمثالها جنت على حافظ أثناء حياته كما جنت عليه بعد مماته ، فأعجبت معانيه البعض فقالوا إنه شاعر يهيم في كل واد ، وأشكلت أو استغلقت على البعض ، فوصفوه بأنه « لسان الغيب وترجمان الأسرار » وانقسم شراحه بعد ذلك إلى رأيين يختلفان كل الاختلاف :
1 - فمن قائل أن أشعاره يجب أن تفسر على ظاهرها دون أن نلتمس لها من المعاني الأخرى ما لا تحتمله الألفاظ والعبارات .
فأخذوا يفسرون حافظا بناء على هذا الرأي ، فإذا الخمر التي تغنى بها هي هذه الخمر الأرضية الفانية التي تملأ الكأس وتلعب بالرأس ، وإذا « معشوقه » من لحم ودم يمشي على قدمين ، وإذا حبّه حب عادي من الجائز أن يصيبني أو يصيبك أو يصيب غيرنا من الناس . . . .
الربيع عنده ربيع الحياة الذي يتلوه صيف فخريف فشتاء ؛ والزهرات عنده هي الزهرات النامية في