مرحلة المادة عند الإحساس بشئ أو عند تخيله فإنما هي معدات تتهيأ بها
النفس لحصول الصور العلمية الجزئية المثالية عندها .
الإشكال السادس : أن علماء الطبيعة بينوا : أن الإحساس والتخيل بحصول
صور الأجسام المادية بما لها من النسب والخصوصيات الخارجية في الأعضاء
الحاسة وانتقالها إلى الدماغ ، مع مالها من التصرف فيها بحسب طبائعها الخاصة ،
والإنسان ينتقل إلى خصوصية مقاديرها وأبعادها وأشكالها بنوع من المقايسة بين
أجزاء الصورة الحاصلة عنده على ما فصلوه في محله ، ومع ذلك لا مجال للقول
بحضور الماهيات الخارجية بأنفسها في الأذهان .
والجواب عنه : أن ما ذكروه - من الفعل والإنفعال المادي عند حصول العلم
بالجزئيات - في محله ، لكن هذه الصور المنطبعة المغايرة للمعلومات الخارجية
ليست هي المعلومة بالذات ، بل هي معدات تهيئ النفس لحضور الماهيات
الخارجية عندها بوجود مثالي غير مادي ، وإلا لزمت السفسطة لمكان المغايرة
بين الصور الحاصلة في أعضاء الحس والتخيل وبين ذوات الصور .
بل هذا من أقوى الحجج على حصول الماهيات بأنفسها عند الانسان بوجود
غير مادي ، فإن الوجود المادي لها كيفما فرض لم يخل عن مغايرة ما بين الصور
الحاصلة وبين الأمور الخارجية ذوات الصور ، ولازم ذلك السفسطة ضرورة .
الإشكال السابع : أن لازم القول بالوجود الذهني كون الشئ الواحد كليا
وجزئيا معا ، وبطلانه ظاهر ، بيان الملازمة : أن ماهية الانسان المعقولة - مثلا - من
حيث تجويز العقل صدقها على كثيرين كلية ، ومن حيث حصولها لنفس عاقلة
شخصية ( 1 ) وقيامها بها جزئية متشخصة بتشخصها متميزة من ماهية الانسان
المعقولة لغير تلك النفس من النفوس ، فهي كلية وجزئية معا .
والجواب عنه : أن الجهة مختلفة ، فهي من حيث إنها وجود ذهني مقيس إلى
الخارج كلية تقبل الصدق على كثيرين ، ومن حيث إنها كيفية نفسانية من غير
هامش
( 1 ) وفي المطبوع سابقا : " عاقلها الشخصية " . والأصح ما أثبتناه في المتن .