الفصل الثالث
في أن الواجب تعالى هو المبدأ المفيض لكل
وجود وكمال وجودي
كل موجود غيره ( تعالى ) ممكن بالذات ، لانحصار الوجوب بالذات فيه
( تعالى ) ، وكل ممكن فإن له ماهية هي التي تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم ،
وهي التي تحتاج في وجودها إلى علة بها يجب وجودها فتوجد ( 1 ) ، والعلة إن
كانت واجبة بالذات فهو ، وإن كانت واجبة بالغير انتهى ذلك إلى الواجب
بالذات ( 2 ) ، فالواجب بالذات هو الذي يفيض عنه وجود كل ذي وجود من
الماهيات .
ومن طريق آخر :
ما سواه ( تعالى ) - من الوجودات الإمكانية - فقراء في أنفسها ، متعلقات في
حدود ذواتها ، فهي وجودات رابطه لا استقلال لها حدوثا ولا بقاء وإنما تتقوم
بغيرها ، وينتهي ذلك إلى وجود مستقل في نفسه غني في ذاته لا تعلق له بشئ
تعلق الفقر والحاجة ، وهو الواجب الوجود ( تعالى وتقدس ) .
فتبين أن الواجب الوجود ( تعالى ) هو المفيض لوجود ما سواه . وكما أنه
مفيض له ( 3 ) مفيض لآثاره ( 4 ) القائمة به ( 5 ) والنسب والروابط التي بينه ( 6 ) ، فإن العلة
الموجبة للشئ المقومة لوجوده علة موجبة لآثاره والنسب القائمة به ومقومة
هامش
( 1 ) لما تقدم أن الشئ ما لم يجب لم يوجد .
( 2 ) لأن علتها إن كانت واجبه بالغير فتحتاج أيضا في وجودها إلى علة أخرى ، وهي إما نفس
العلة السابقة التي كانت علة للماهية وصارت معلولة للعلة اللاحقة وهو الدور ومحال ، وإما
علة لاحقة غيرها ، وهذه اللاحقة إن كانت واجبة بالذات فهو ، وإن كانت واجبة بالغير فتحتاج
إلى علة أخرى وهكذا ، وهو التسلسل ، والتسلسل باطل .
( 3 و 4 و 5 و 6 ) الضمير في المطبوع مؤنث ، ولعله راجع إلى " الوجودات الإمكانية " . والأولى أن
يأتي مذكرا كما أدرجناه في المتن ، لأن الظاهر رجوعه إلى " ما سواه " ، وإن كان المراد من
" ما سواه " الوجودات الإمكانية .