سعيدا " وبمن يأوى إلى بيت ليستظل ، فينهدم عليه فيموت ويسمى هذا النوع من
الاتفاق : " بختا شقيا " ( 1 ) .
وعلى ذلك بنى بعض علماء الطبيعة كينونة العالم ، فقال : " إن عالم الأجسام
مركبة من أجزاء صغار ذرية مبثوثة في خلاء غير متناه ، وهي دائمة الحركة ،
فاتفق أن تصادمت جملة منها فاجتمعت فكانت الأجسام ، فما صلح للبقاء بقي وما
لم يصلح لذلك فنى سريعا أو بطيئا " ( 2 ) .
والحق : أن لا اتفاق في الوجود . ولنقدم لتوضيح ذلك مقدمة ، هي : أن الأمور
الكائنة يمكن أن تتصور على وجوه أربعة ( 3 ) : منها ما هو دائمي الوجود ، ومنها ما
هو أكثري الوجود ، ومنها ما يحصل بالتساوي كقيام زيد وقعوده مثلا ، ومنها ما
يحصل نادرا وعلى الأقل كوجود الإصبع الزائد في الانسان .
والأمر الأكثري الوجود يفارق الدائمي الوجود بوجود معارض يعارضه في
بعض الأحيان ، كعدد أصابع اليد ، فإنها خمسة على الأغلب ، وربما أصابت القوة
المصورة للأصبع مادة زائدة صالحة لصورة الإصبع ، فصورتها أصبعا ، ومن هنا
يعلم : أن كون الأصابع خمسة مشروط بعدم مادة زائدة ، وأن الأمر بهذا الشرط
دائمي الوجود لا أكثريه ، وأن الأقلي الوجود مع اشتراط المعارض المذكور أيضا
دائمي الوجود لا أقليه ، وإذا كان الأكثري والأقلي دائميين بالحقيقة فالأمر في
المساوي ظاهر ، فالأمور كلها دائمية الوجود جارية على نظام ثابت لا يختلف ولا
يتخلف .
هامش
( 1 ) هذا ما توهمه ذيمقراطيس كما في الفصل الرابع عشر من المقالة الأولى من الفن الأول من
طبيعيات الشفاء .
( 2 ) انتهى ما قال بعض علماء الطبيعة ، وهو أنباذقلس كما في الفصل الرابع عشر من المقالة
الأولى من الفن الأول من طبيعيات الشفاء .
( 3 ) هكذا أجاب عن الإشكال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث عشر من المقالة الأولى من
الفن الأول من طبيعيات الشفاء .