يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عند الله ، مجهول عند الناس ،
ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان ، لانتهاء أمده الذي قيد به ، وحلول
غايته الواقعية التي أنيط بها .
والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا ، بداهة : أن دخل خصوصيات الزمان في
مناطات الاحكام مما لا يشك فيه عاقل ، فإن يوم السبت - مثلا - في شريعة
موسى عليه السلام قد اشتمل على خصوصية تقتضي جعله عيدا لأهل تلك الشريعة
دون بقية الأيام ، ومثله يوم الجمعة في الاسلام ، وهكذا الحال في أوقات الصلاة
والصيام والحج ، وإذا تصورنا وقوع مثل هذا في الشرايع فلنتصور أن تكون
للزمان خصوصية من جهة استمرار الحكم وعدم استمراره ، فيكون الفعل
ذا مصلحة في مدة معينة ، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك المدة ،
وقد يكون الامر بالعكس .
وجملة القول : إذا كان من الممكن أن يكون للساعة المعينة ، أو اليوم المعين
أو الأسبوع المعين ، أو الشهر المعين تأثير في مصلحة الفعل أو مفسدته أمكن
دخل السنة في ذلك أيضا ، فيكون الفعل مشتملا على مصلحة في سنين معينة ،
ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين ، وكما يمكن أن يقيد إطلاق
الحكم من غير جهة الزمان بدليل منفصل ، فكذلك يمكن أن يقيد إطلاقه من
جهة الزمان أيضا بدليل منفصل ، فإن المصلحة قد تقتضي بيان الحكم على جهة
العموم أو الاطلاق ، مع أن المراد الواقعي هو الخاص أو المقيد ، ويكون بيان
التخصيص أو التقييد بدليل منفصل . فالنسخ في الحقيقة تقييد لاطلاق الحكم
من حيث الزمان ولا تلزم منه مخالفة الحكمة ولا البداء بالمعنى المستحيل في حقه
تعالى ، وهذا كله بناء على أن جعل الاحكام وتشريعها مسبب عن مصالح أو
مفاسد تكون في نفس العمل . وأما على مذهب من يرى تبعية الاحكام لمصالح
في الاحكام أنفسها فإن الامر أوضح ، لان الحكم الحقيقي على هذا الرأي
يكون شأنه شأن الاحكام الامتحانية .
البيان في تفسير القرآن — صفحة 280
مساهمون: السيد الخوئي
ص٢٨٠