غير مقلعين عنه ، وأرى غيرهم من أهل الفساد مختلفين في مذاهبهم يلعن بعضهم بعضا ، فأي موضع للرحمة العامة لهم ، المشتملة عليهم ؟
وأجده قد بين فضل نبيه على سائر الأنبياء ، ثم خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الإزراء عليه وانخفاض محله ، وغير ذلك من تهجينه وتأنيبه ما لم يخاطب به أحدا من الأنبياء ، مثل قوله : ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ) * « 1 » وقوله : ولَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً « 2 » ، وقوله تعالى : وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّه مُبْدِيه وتَخْشَى النَّاسَ واللَّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشاه « 3 » ، وقوله : وما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ « 4 » ، وقال : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 5 » ، وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ « 6 » فإذا كانت الأشياء تحصى في الإمام المبين وهو وصي النبي ، فالنبي أولى أن يكون بعيدا من الصفة التي قال فيها : وما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ وهذه كلها صفات مختلفة ، وأحوال متناقضة ، وأمور مشكلة ، فإن يكن الرسول والكتاب حقا ، فقد هلكت لشكي « 7 » في ذلك ، وإن كانا باطلين فما علي من بأس ! فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، تبارك وتعالى هو الحي الدائم القائم على كل نفس بما كسبت ، هات أيضا ما شككت فيه ؟ » . قال : حسبي ما ذكرت ، يا أمير المؤمنين .
قال علي ( عليه السلام ) : « سأنبئك بتأويل ما سألت عنه ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وعليه فليتوكل المتوكلون .
فأما قوله تعالى : اللَّه يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) * « 8 » ، وقوله عز وجل : يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ « 9 » وتَوَفَّتْه رُسُلُنا « 10 » والَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ 1 « والَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ « 12 » فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه ، وفعل رسله وملائكته فعله ، لأنهم بأمره
هامش
( 1 ) الأنعام 6 : 35 .
( 2 ) الإسراء 17 : 74 ، 75 .
( 3 ) الأحزاب 33 : 37 .
( 4 ) الأحقاف 46 : 9 .
( 5 ) الأنعام 6 : 38 .
( 6 ) يس 36 : 12 .
( 7 ) في « ج ، ي » : بشكي .
( 8 ) الزمر 39 : 42 .
( 9 ) السجدة 32 : 11 .
( 10 ) الأنعام 6 : 61 .
( 11 ) النحل 16 : 32 .
( 12 ) النحل 16 : 28 .