تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 872

مساهمون:

ص٨٧٢
قلت : كيف ذاك ؟ قال : « لأن الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم ، وقسمه عليها ، وفرقه فيها ، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها ، فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم ، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره ، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما ، وأذناه اللتان يسمع بهما ، ويداه اللتان يبطش بهما ، ورجلاه اللتان يمشي بهما ، وفرجه الذي الباه من قبله ، ولسانه الذي ينطق به ، ورأسه الذي فيه وجهه . فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها ، بفرض من الله تبارك وتعالى اسمه ، ينطق به الكتاب لها ، ويشهد به عليها ، ففرض على القلب غير ما فرض على السمع ، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين ، وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان ، وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين ، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين ، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج ، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه . فأما ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والمحبة « 1 » والرضا والتسليم ، بأن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، إلها واحدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأن محمدا عبده ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب ، فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة ، وهو عمله ، وهو قول الله عز وجل : إِلَّا مَنْ أُكْرِه وقَلْبُه مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ) * « 2 » ، وقال : أَلا بِذِكْرِ اللَّه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ « 3 » وقال : الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ « 4 » ، وقال : وإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوه يُحاسِبْكُمْ بِه اللَّه فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ « 5 » ، فذلك ما فرض الله عز وجل على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس الإيمان . وفرض الله على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقر به ، قال الله تبارك وتعالى : وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) * « 6 » ، وقال : وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ « 7 » ، فهذا ما فرض الله على اللسان ، وهو عمله . وفرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله ، وأن يعرض عما لا يحل له مما نهى الله عز وجل عنه ، والإصغاء إلى ما أسخط الله عز وجل ، فقال في ذلك : وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّه
هامش
( 1 ) في المصدر : والعقد ، بدل ( والمحبة ) . ( 2 ) النحل 16 : 106 . ( 3 ) الرعد 13 : 28 . ( 4 ) المائدة 5 : 41 . ( 5 ) البقرة 2 : 284 . ( 6 ) البقرة 2 : 83 . ( 7 ) العنكبوت 29 : 46 .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 872 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة