قال سبحانه : والَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) * « 1 » فالناس من جميع الأمم يستغفرون له لسبقه إياهم إلى الإيمان بنبيه ( صلى الله عليه وآله ) وذلك أنه لم يسبقه إلى الإيمان أحد .
وقد قال الله تعالى : * ( والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ والأَنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ) * فهو سابق جميع السابقين ، فكما أن الله عز وجل فضل السابقين على المتخلفين والمتأخرين ، فكذلك فضل أسبق السابقين على السابقين .
وقد قال الله عز وجل : أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * « 2 » فهو المجاهد في سبيل الله حقا ، وفيه نزلت هذه الآية .
وكان ممن استجاب لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عمه حمزة وجعفر بن عمه ، فقتلا شهيدين ( رضي الله عنهما ) في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فجعل الله تعالى حمزة سيد الشهداء من بينهم ، وجعل لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء من بينهم ، وذلك لمكانهما من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ومنزلتهما وقرابتهما منه ( صلى الله عليه وآله ) ، وصلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء الذين استشهدوا معه .
وكذلك جعل الله تعالى لنساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) للمحسنة منهن أجرين وللمسيئة منهن وزرين ضعفين لمكانهن من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وجعل الصلاة في مسجد رسول الله بألف صلاة في سائر المساجد إلا المسجد الحرام : مسجد إبراهيم خليله ( عليه السلام ) بمكة ، وذلك لمكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من ربه . وفرض الله عز وجل الصلاة على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) على كافة المؤمنين ، فقالوا : يا رسول الله ، كيف الصلاة عليك ؟ فقال :
قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد . فحق على كل مسلم أن يصلي علينا مع الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) فريضة واجبة . وأحل الله تعالى خمس الغنيمة لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) وأوجبها له في كتابه ، وأوجب لنا من ذلك ما أوجبه له ، وحرم عليه الصدقة وحرمها علينا معه ، فأدخلنا - فله الحمد - فيما أدخل فيه نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ، وأخرجنا ونزهنا مما أخرجه منه ونزهه عنه ، كرامة أكرمنا الله عز وجل بها ، وفضيلة فضلنا بها على سائر العباد .
وقال الله تعالى لمحمد ( صلى الله عليه وآله ) حين جحده كفرة أهل الكتاب وحاجوه : فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّه عَلَى الْكاذِبِينَ ) * « 3 » ، فأخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الأنفس معه أبي ، ومن البنين أنا وأخي ، ومن النساء فاطمة أمي من الناس جميعا ، فنحن أهله ولحمه ودمه ونفسه ، ونحن منه وهو منا .
هامش
( 1 ) الحشر 59 : 10 .
( 2 ) التوبة 9 : 19 .
( 3 ) آل عمران 3 : 61 .