الصوم ، ومن شبهه بكفارة اليمين قال : لا يستأنف ، لان الكفارة في اليمين ترفع الحنث
بعد وقوعه باتفاق . ومنها هل من شرط الرقبة أن تكون مؤمنة أم لا ؟ فذهب مالك والشافعي
إلى أن ذلك شرط في الاجزاء ، وقال أبو حنيفة : يجزئ في ذلك رقبة الكافر ، ولا يجزئ
عندهم إعتاق الوثنية والمرتدة ودليل الفريق الأول أنه إعتاق على وجه القربة فوجب أن
تكون مسلمة أصله الاعتاق في كفارة القتل ، وربما قالوا إن هذا ليس من باب القياس ،
وإنما هو من باب حمل المطلق على المقيد ، وذلك أنه قيد الرقبة بالايمان في كفارة القتل
وأطلقها في كفارة الظهار فيجب صرف المطلق إلى المقيد . وهذا النوع من حمل المطلق
على المقيد فيه خلاف ، والحنفية لا يجيزونه ، وذلك أن الأسباب في القضيتين مختلفة . وأما
حجة أبي حنيفة فهو ظاهر العموم ، ولا معارضة عنده بين المطلق والمقيد ، فوجب عنده أن
يحمل كل على لفظه . ومنها اختلافهم هل من شرط الرقبة أن تكون سالمة من العيوب أم
لا ؟ ثم إن كانت سليمة فمن أي العيوب تشترط سلامتها ؟ فالذي عليه الجمهور أن للعيوب
تأثيرا في منع إجزاء العتق ، وذهب قوم إلى أنه ليس لها تأثير في ذلك ، وحجة الجمهور
تشبيهها بالأضاحي والهدايا لكون القربة تجمعهما وحجة الفريق الثاني إطلاق اللفظ في
الآية . فسبب الخلاف : معارضة الظاهر لقياس الشبه . والذين قالوا إن للعيوب تأثيرا في
منع الاجزاء اختلفوا في عيب عيب مما يعتبر في الاجزاء أو عدمه . أما العمى وقطع اليدين
أو الرجلين فلا خلاف عندهم في أنه مانع للاجزاء ، واختلفوا فيما دون ذلك ، فمنها هل
يجوز قطع اليد الواحدة ؟ أجازه أبو حنيفة ، ومنعه مالك والشافعي . وأما الأعور فقال مالك :
لا يجزئ ، وقال عبد الملك : يجزئ : وأما قطع الاذنين فقال مالك : لا يجزئ ، وقال
أصحاب الشافعي : يجزئ . وأما الأصم فاختلف فيه في مذهب مالك ، فقيل يجزئ . وقيل
لا يجزئ . وأما الأخرس فلا يجزئ عند مالك ، وعن الشافعي في ذلك قولان . أما المجنون
فلا يجزئ . أما الخصي فقال ابن القاسم : لا يعجبني الخصي ، وقال غيره لا يجزئ ، وقال
الشافعي : يجزئ . وإعتاق الصغير جائز في قوله عامة فقهاء الأمصار ، وحكي عن بعض
المتقدمين منعه . والعرج الخفيف في المذهب يجزئ ، أما البين العرج فلا . والسبب في
اختلافهم : في قدر النقص المؤثر في القربة ، وليس له أصل في الشرع إلا
الضحايا . وكذلك لا يجزئ في المذهب ما فيه شركة أو طرف حرية كالكتابة والتدبير لقوله
تعالى : * ( فتحرير رقبة ) * والتحرير هو ابتداء الاعتاق ، وإذا كان فيه عقد من عقود الحرية
كالكتابة كان تنجيزا لا إعتاقا ، وكذلك الشركة لان بعض الرقبة ليس برقبة . وقالوا أبو
حنيفة : إن كان المكاتب أدى شيئا من مال الكتابة لم يجز . وإن كان لم يؤد جاز ، واختلفوا
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 90
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٩٠