دية ، وكذلك إذا كان على وجه الأدب ففيه الخلاف . وأما ما يجب في جراح العمد إذا
وقعت على الشروط التي ذكرنا فهو القصاص لقوله تعالى : * ( والجروح قصاص ) *
وذلك فيما أمكن القصاص فيه منها ، وفيما وجد منه محل القصاص ولم يخش منه تلف النفس ،
وإنما صاروا لهذا لما روي أن رسول الله ( ص ) رفع القود في المأمومة والمنقلة والجائفة
فرأى مالك ومن قال بقوله أن هذا حكم ما كان في معنى هذه من الجراح التي هي متالف ،
مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر والفخذ وما أشبه ذلك . وقد اختلف قول مالك في
المنقلة ، فمرة قال بالقصاص ، ومرة قال بالدية ، وكذلك الامر عند مالك فيما لا يمكن فيه
التساوي في القصاص مثل الاقتصاص من ذهاب بعض النظر أو بعض السمع ، ويمنع القصاص
أيضا عند مالك عدم المثل مثل أن يفقأ أعمى عين بصير . واختلف من هذا في الأعور يفقأ عين
الصحيح عمدا ، فقال الجمهور : إن أحب الصحيح أن يستقيد منه فله القود ، واختلفوا إذا عفا
عن القود ، فقال قوم : إن أحب فله الدية كاملة ألف دينار ، وهو مذهب مالك ، وقيل ليس له
إلا نصف الدية ، وبه قال الشافعي ، وهو أيضا منقول عن مالك ، وبقول الشافعي قال ابن
القاسم ، وبالقول الآخر قال المغيرة من أصحابه وابن دينار . وقال الكوفيون : ليس للصحيح
الذي فقئت عينه إلا القود أو ما اصطلحا عليه ، وقد لا يستقيد من الأعور وعليه الدية
كاملة ، روي هذا عن ابن المسيب وعن عثمان وعمدة صاحب هذا القول أن عين الأعور
بمنزلة عينين ، فمن فقأها في واحدة فكأنه اقتص من اثنين في واحدة ، وإلى نحو هذا ذهب
من رأى أنه إذا ترك القود أن له دية كاملة ، ويلزم حامل هذا القول أن لا يستقيد ضرورة ، ومن
قال بالقود وجعل الدية نصف الدية فهو أحرز لأصله ، فتأمله فإنه بين نفسه ، والله أعلم . وأما هل
المجروح مخير بين القصاص وأخذ الدية ، أم ليس له إلا القصاص فقط إلا أن يصطلحا على أخذ
الدية ففيه القولان عن مالك مثل القولين في القتل ، وكذلك أحد قولي مالك في الأعور يفقأ
عين الصحيح : أن الصحيح يخير بين أن يفقأ عين الأعور أو يأخذ الدية ألف دينار أو خمسمائة
على الاختلاف في ذلك .
وأما متى يستقاد من الجرح ؟ فعند مالك أنه لا يستقاد من جرح إلا بعد اندماله ،
وعند الشافعي على الفور ، فالشافعي تمسك بالظاهر . ومالك رأى أن يعتبر ما يؤول إليه
أمر الجرح مخافة أن يقضي إلى إتلاف النفس . اختلف العلماء في المقتص من الجرح
يموت المقتص منه من ذلك الجرح ، فقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد : لا شئ
على المقتص ، وروي عن علي وعمر مثل ذلك ، وبه قال أحمد وأبو ثور وداود ، وقال أبو
حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة : إذا مات وجب على عاقلة المقتص الدية ، وقال
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 333
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٣٣