يؤدي من الكتابة شيئا أنه يرق . واختلفوا إذا مات عن ولد فقال مالك : حكم ولده
كحكمه ، فإن ترك مالا فيه وفاء للكتابة أدوه وعتقوا ، وإن لم يترك مالا وكانت لهم قوة
على السعي بقوا على نجوم أبيهم حتى يعجزوا أو يعتقوا ، وإن لم يكن عندهم لا مال ولا
قدرة على السعي رقوا ، وأنه إن فضل عن الكتابة شئ من ماله ورثوه على حكم ميراث
الأحرار ، وأنه ليس يرثه إلا ولده الذين هم في الكتابة معه دون سواهم من وارثيه إن كان له
وارث غير الولد الذي معه في الكتابة . وقال أبو حنيفة : إنه يرثه بعد أداء كتابته من المال
الذي ترك جميع أولاده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في الكتابة وأولاده الأحرار وسائر
ورثته . وقال الشافعي : لا يرثه بنوه الأحرار ولا الذين كاتب عليهم أو ولدوا في الكتابة ،
وماله لسيده ، وعلى أولاده الذين كاتب عليهم أن يسعوا من الكتابة في مقدار حظوظهم
منها ، وتسقط حصة الأب عنهم ، وبسقوط حصة الأب عنهم قال أبو حنيفة وسائر
الكوفيين . والذين قالوا بسقوطها قال بعضهم : تعتبر القيمة ، وهو قول الشافعي ، وقيل :
بالثمن ، وقيل : حصته على مقدار الرؤوس . وإنما قال هؤلاء بسقوط حصة الأب عن الأبناء
الذين كاتب عليهم لا الذين ولدوا في الكتابة ، لان من ولد له أولاد في الكتابة فهم تبع
لأبيهم . وعمدة مالك أن المكاتبين كتابة واحدة بعضهم حملاء عن بعض ، ولذلك من عتق
منهم أو مات لم تسقط حصته عن الباقي . وعمدة الفريق الثاني أن الكتابة لا تضمن .
وروى مالك عن عبد الملك بن مروان في موطئه مثل قول الكوفيين . وسبب اختلافهم : ماذا
يموت عليه المكاتب ؟ فعند مالك أنه يموت مكاتبا ، وعند أبي حنيفة أنه يموت حرا ، وعند
الشافعي أنه يموت عبدا . وعلى هذه الأصول بنوا الحكم فيه . فعمدة الشافعي أن العبودية
والحرية ليس بينهما وسط ، وإذا مات المكاتب فليس حرا بعد ، لان حريته إنما تجب بأداء
كتابته وهو لم يؤدها بعد ، فقد بقي أنه مات عبدا لأنه لا يصح أن يعتق الميت . وعمدة
الحنفية أن العتق قد وقع بموته مع وجود المال الذي كاتب عليه ، لأنه ليس له أن يرق
نفسه ، والحرية يجب أن تكون حاصلة له بوجود المال لا بدفعه إلى السيد . وأما مالك
فجعل موته على حالة متوسطة بين العبودية والحرية وهي الكتابة ، فمن حيث لم يورث
أولاده الأحرار منه جعل له حكم العبيد ، ومن حيث لم يورث سيده ماله حكم له بحكم
الأحرار ، والمسألة في حد الاجتهاد . ومما يتعلق بهذا الجنس اختلافهم في أم ولد
المكاتب إذا مات المكاتب وترك بنين لا يقدرون على السعي ، وأرادت الأم أن تسعى عليهم ،
فقال مالك : لها ذلك ، وقال الشافعي والكوفيون : ليس لها ذلك . وعمدتهم أن أم الولد -
إذا مات المكاتب - مال من مال السيد ، وأما مالك فيرى أن حرمة الكتابة التي لسيدها صائرة
إليها وإلى بنيها . ولم يختلف قول مالك أن المكاتب إذا ترك بنين صغارا لا يستطيعون
السعي ، وترك أم ولد لا تستطيع السعي أنها تباع ويؤدي منها باقي الكتابة . وعند أبي
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 311
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣١١