الولاء إلا من باشرن عتقه بأنفسهن أو هاجر إليهن من باشرن عتقه ، إما بولاء أو بنسب ،
مثل معتق معتقها أو ابن معتقها ، وأنهن لا يرثن معتق من يرثنه أو ما حكي عن شريح .
وعمدته أنه لما كان لها ولاء ما أعتقه بنفسها كان لها ولاء ما أعتقه مورثها قياسا على
الرجل ، وهذا هو الذي يعرفونه بقياس المعنى ، وهو أرفع مراتب القياس ، وإنما الذي
يوهنه الشذوذ . وعمدة الجمهور أن الولاء إنما وجب للنعمة التي كانت للمعتق على
المعتق ، وهذه النعمة إنما توجد فيمن باشر العتق ، أو كان من سبب قوي من أسبابه وهم
العصبة . قال القاضي : وإذ قد تقرر من له ولاء ممن ليس له ولاء ، فبقي النظر في ترتيب
أهل الولاء في الولاء . فمن أشهر مسائلهم في هذا الباب المسألة التي يعرفونها بالولاء
للكبر ، مثال ذلك : رجل أعتق عبدا ثم مات ذلك الرجل وترك أخوين أو ابنين ، ثم مات
أحد الأخوين وترك ابنا ، أو أحد الابنين ، فقال الجمهور في هذه المسألة : إن حظ الأخ
الميت من الولاء لا يرثه ابنه ، وهو راجع إلى أخيه لأنه أحق به من ابنه بخلاف
الميراث ، لان الحجب في الميراث يعتبر بالقرب من الميت ، وهنا بالقرب من المباشر
للعتق ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ، وعلي وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت من
الصحابة ، وقال شريح وطائفة من أهل البصرة : حق الأخ الميت في هذه وعمدة هؤلاء تشبيه الولاء بالميراث . وعمدة الفريق الأول أن المسألة لبنيه
الولاء نسب مبدؤه من المباشر . ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب المسألة التي تعرف بجر الولاء . وصورتها
أن يكون عبد له بنون من أمة ، فأعتقت الأمة ثم أعتق العبد بعد ذلك ، فإن العلماء اختلفوا
لمن يكون ولاء البنين إذا أعتق الأب . وذلك أنهم اتفقوا على أن ولاءهم بعد عتق الأم إذا
لم يمس المولود الرق في بطن أمه ، وذلك يكون إذا تزوجها العبد بعد العتق وقبل عتق
الأب هو لموالي الأم . واختلفوا إذا أعتق الأب هل يجر ولاء بنيه لمواليه أم لا يجر ؟ فذهب
الجمهور ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم إلى أنه يجر ، وبه قال علي رضي الله عنه
وابن مسعود والزبير وعثمان بن عفان . وقال عطاء وعكرمة وابن شهاب وجماعة : لا يجر
ولاءه . وروي عن عمر ، وقضى به عبد الملك بن مروان لما حدثه قبيصة بن ذؤيب عن
عمر بن الخطاب ، وإن كان قد روي عن عمر مثل قول الجمهور . وعمدة الجمهور أن
الولاء مشبه بالنسب ، والنسب للأب دون الأم . وعمدة الفريق الثاني أن البنين لما كانوا
في الحرية تابعين لأمهم كانوا في موجب الحرية تابعين لها ، وهو الولاء - وذهب مالك إلى
أن الجد يجر ولاء حفدته إذا كان أبوهم عبدا ، إلا أن يعتق الأب ، وبه قال الشافعي وخالفه
في ذلك الكوفيون واعتمدوا في ذلك على أن ولاء الجد إنما يثبت لمعتق الجد على البنين
من جهة الأب ، وإذا لم يكن للأب ولاء فأحرى أن لا يكون للجد . وعمدة الفريق الثاني
أن عبودية الأب هي كموته فوجب أن ينتقل الولاء إلى أبي الأب ، ولا خلاف بين من يقول
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 296
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٩٦