بمنزلة السبب الذي أدلى به . وعمدة مالك ومن قال بقوله أن الفرائض لما كانت لا مجال
للقياس فيها كان الأصل أن لا يثبت فيها شئ إلا بكتاب أو سنة ثابتة أو إجماع ، وجميع ذلك
معدوم في هذه المسألة . وأما الفرقة الثانية ، فزعموا أن دليلهم على ذلك من الكتاب والسنة
والقياس . أما الكتاب فقوله تعالى : * ( وأولوا الأرحام ) * و * ( الوالدان والأقربون ) * واسم القرابة ينطلق على ذوي الأرحام ، ويرى
المخالف أن هذه مخصوصة بآيات المواريث . وأما السنة فاحتجوا بما خرجه الترمذي عن
عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة أن رسول الله ( ص ) قال : الله ورسوله مولى من لا مولى
له ، والخال وارث من لا وارث له . وأما من طريق المعنى فإن القدماء من أصحاب أبي حنيفة
قالوا : إن ذوي الأرحام أولى من المسلمين لأنهم قد اجتمع لهم سببان : القرابة والإسلام ،
فأشبهوا تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب ، أعني أن من اجتمع له سببان أولى ممن له سبب
واحد . وأما أبو زيد ، ومتأخرو أصحابه فشبهوا الإرث بالولاية وقالوا : لما كانت ولاية التجهيز
والصلاة والدفن للميت عند فقد أصحاب الفروض والعصبات لذوي الأرحام ، وجب أن يكون
لهم ولاية الإرث ، وللفريق الأول اعتراضات في هذه المقاييس فيها ضعف . وإذ قد تقرر هذا
فلنشرع في ذكر جنس جنس من أجناس الوارثين ، ونذكر من ذلك ما يجري مجرى الأصول من
المسائل المشهورة ، المتفق عليها ، والمختلف فيها .
ميرا ث الصلب : وأجمع المسلمون على أن ميراث الأولاد من والدهم ، ووالدتهم إن
كانوا ذكورا وإناثا معا هو أن للذكر منهم مثل حظ الأنثيين ، وأن الابن الواحد إذا انفرد
فله جميع المال ، وأن البنات إذا انفردن فكانت واحدة أن لها النصف ، وإن كن ثلاثا فما
فوق فلهن الثلثان . واختلفوا في الاثنتين فذهب الجمهور إلى أن لهما الثلثين ،
وروي عن ابن عباس أنه قال : للبنتين النصف . والسبب في اختلافهم : تردد المفهوم في
قوله تعالى : * ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) * هل حكم الاثنتين المسكوت
عنه يلحق بحكم الثلاثة أو بحكم الواحدة ؟ والأظهر من باب دليل الخطاب أنهما لاحقان
بحكم الثلاثة أو بحكم الواحدة ، وقد قيل إن المشهور عن ابن عباس مثل قول الجمهور . وقد روي عن
عبد الله بن محمد بن عقيل عن حاتم بن عبد الله وعن جابر أن النبي ( ص ) أعطى البنتين
الثلثين قال - فيما أحسب - أبو عمر بن عبد البر : وعبد الله بن عقيل قد قبل جماعة من أهل
العلم حديثه ، وخالفهم آخرون . وسبب الاتفاق في هذه الجملة قوله تعالى : * ( يوصيكم الله
في أولادكم ، للذكر مثل حظ الأنثيين ) * إلى قوله : * ( وإن كانت واحدة فلها
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 277
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٧٧