المال ، وإذا وصى فعند مالك يلزم الورثة اخراجها وهي عنده من الثلث ، وهي عند
الشافعي في الوجهين من رأس المال شبهها بالدين لقول رسول الله ( ص ) : فدين الله أحق أن
يقضى وكذلك الكفارات الواجبة والحج الواجب عنده ، ومالك يجعلها من جنس الوصايا
بالتوصية بإخراجها بعد الموت ، ولا خلاف أنه لو أخرجها في الحياة أنها من رأس المال
ولو كان في السياق ، وكأن مالكا اتهمه هنا على الورثة ، أعني في توصيته بإخراجها ، قال :
ولو أجيز هذا لجاز للانسان أن يؤخر جميع زكاته طول عمره حتى إذا دنا من الموت وصى بها
فإذا زاحمت الوصايا الزكاة قدمت عند مالك على ما هو أضعف منها ، وقال أبو حنيفة : هي
وسائر الوصايا سواء ، يريد في المحاصة . واتفق مالك وجميع أصحابه على أن الوصايا التي
يضيق عنها الثلث إذا كانت مستوية أنها تتحاص في الثلث ، وإذا كان بعضها أهم من بعض
قدم الأهم . واختلفوا في الترتيب على ما هو مسطور في كتبهم ، ومن مسائلهم الحسابية
المشهورة في هذا الباب إذا أوصى لرجل بنصف ماله ولآخر بثلثيه ورد الورثة الزائد ، فعند
مالك والشافعي أنهما يقتسمان الثلث بينهما أخماسا ، وقال أبو حنيفة : بل يقتسمان الثلث
بالسوية . وسبب الخلاف : هل الزائد على الثلث الساقط هل يسقط الاعتبار به في القسمة
كما يسقط في نفسه بإسقاط الورثة ؟ فمن قال يبطل في نفيه ولا يبطل الاعتبار به في
القسمة إذ كان مشاعا قال : يقتسمون المال أخماسا ، ومن قال يبطل الاعتبار به كما لو كان
معينا قال : يقتسمون الباقي على السواء . ومن مسائلهم اللفظية في هذا الباب إذا أوصى
بجزء من ماله يعلم به ومال لا يعلم به ، فعند مالك أن الوصية تكون فيما علم به
دون ما لم يعلم ، وعند الشافعي تكون في المالين . وسبب الخلاف : هل اسم المال الذي
نطق به يتضمن ما علم وما لم يعلم ، أو ما علم فقط ؟ والمشهور عن مالك أن المدبر يكون
في المالين إذا لم يخرج من المال الذي يعلم . وفي هذا الباب فروع كثيرة وكلها راجعة إلى
هذه الثلاثة الأجناس ، ولا خلاف بينهم أن للرجل أن يوصي بعد موته بأولاده وأن هذه
خلافة جزئية كالخلافة العظمى الكلية التي للامام أن يوصي بها .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 275
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٧٥