وإذ قد خرجنا عما كنا بسبيله فلنرجع إلى حيث كنا من ذكر المسائل التي وعدنا بها .
المسألة الأولى : أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلا
مثلا بمثل يدا بيد ، إلا ما روي عن ابن عباس ومن تبعه من المكيين فإنهم أجازوا بيعه
متفاضلا ومنعوه نسيئة فقط ، وإنما صار ابن عباس لذلك لما رواه عن أسامة بن زيد عن
النبي ( ص ) أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهو حديث صحيح ، فأخذ ابن عباس بظاهر هذا
الحديث فلم يجعل الربا إلا في النسيئة . وأما الجمهور فصاروا إلى ما رواه مالك عن نافع
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ( ص ) قال : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ،
ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على
بعض ، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز وهو من أصح ما روي في هذا الباب . وحديث
عبادة بن الصامت حديث صحيح أيضا في هذا الباب ، فصار الجمهور إلى هذه الأحاديث
إذ كانت نصا في ذلك . وأما حديث ابن عباس فإنه ليس بنص في ذلك لأنه روي فيه
لفظان : أحدهما : أنه قال إنما الربا في النسيئة وهذا ليس يفهم منه إجازة التفاضل إلا
من باب دليل الخطاب وهو ضعيف ولا سيما إذا عارضه النص . وأما اللفظ الآخر وهو
لا ربا إلا في النسيئة فهو أقوى من هذا اللفظ لان ظاهره يقتضي أن ما عدا النسيئة فليس
بربا ، لكن يحتمل أن يريد بقوله لا ربا إلا في النسيئة من جهة أن الواقع في الأكثر ، وإذا
كان هذا محتملا والأول نص وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينهما . وأجمع
الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلا لعموم
الأحاديث المتقدمة في ذلك ، إلا معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان
زيادة الصياغة ، وإلا ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم
أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه أو دراهمه ، فقال : إذا كان ذلك لضرورة
خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس ، وبه قال ابن القاسم من أصحابه ،
وأنكر ذلك ابن وهب من أصحابه وعيسى بن دينار وجمهور العلماء ، وأجاز مالك بدل
الدينار الناقص بالوازن أو بالدينارين على اختلاف بين أصحابه في العدد الذي يجوز فيه
ذلك من الذي لا يجوز على جهة المعروف .
المسألة الثانية : اختلف العلماء في السيف والمصحف المحلى يباع بالفضة وفيه حلية
فضة ، أو بالذهب وفيه حلية ذهب ، فقال الشافعي : لا يجوز ذلك لجهل المماثلة المشترطة في بيع
الفضة بالفضة في ذلك والذهب بالذهب ، وقال مالك : إن كان قيمة ما فيه من الذهب أو
الفضة الثلث فأقل جاز بيعه ، أعني بالفضة إن كانت حليته فضة ، أو بالذهب إن كانت حليته ذهبا
وإلا لم يجز ، وكأنه رأى أنه إذا كانت الفضة قليلة لم تكن مقصودة في البيع وصارت كأنها
هبة ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة إذا كانت الفضة أكثر من
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 158
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥٨