سبحانه : * ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) * هو أن يهل الرجل
بالعمرة في أشهر الحج من الميقات ، وذلك إذا كان مسكنه خارجا عن الحرم ، ثم يأتي
حتى يصل البيت ، فيطوف لعمرته ويسعى ، ويحلق في تلك الأشهر بعينها ، ثم يحل بمكة ، ثم
ينشئ الحج في ذلك العام بعينه ، وفي تلك الأشهر بعينها من غير أن ينصرف إلى بلده ، إلا
ما روي عن الحسن أنه كان يقول : هو متمتع ، وإن عاد إلى بلده ، ولم يحج : أي عليه هدي
المتمتع المنصوص عليه في قوله تعالى : * ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من
الهدي ) * لأنه كان يقول : عمرة في أشهر الحج متعة . وقال طاووس : من اعتمر في غير
أشهر الحج ، أقام حتى الحج ، وحج من عامه أنه متمتع . واتفق العلماء على أن من لم
يكن من حاضري المسجد الحرام ، فهو متمتع . واختلفوا في المكي هل يقع منه التمتع ،
أم لا يقع ؟ والذين قالوا : إنه يقع منه اتفقوا على أنه ليس عليه دم لقوله تعالى : * ( ذلك
لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) * . واختلفوا فيمن هو حاضر المسجد الحرام
ممن ليس هو ، فقال مالك : حاضر والمسجد الحرام هم أهل مكة . وذي طوى ، وما كان
مثل ذلك من مكة وقال أبو حنيفة : هم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة وقال
الشافعي بمصر : من كان بينه ، وبين مكة ليلتان ، وهو أكمل المواقيت . وقال أهل الظاهر : من
كان ساكن الحرم وقال الثوري : هم أهل مكة فقط . وأبو حنيفة يقول : إن حاضري
المسجد الحرام لا يقع منهم التمتع وكره ذلك مالك . وسبب الاختلاف : اختلاف ما يدل
عليه اسم حاضري المسجد الحرام بالأقل والأكثر ، ولذلك لا يشك أن أهل مكة ، هم من
حاضري المسجد الحرام كما لا يشك أن من خارج المواقيت ليس منهم ، فهذا هو نوع
التمتع المشهور ، ومعنى التمتع أنه تمتع بتحلله بين النسكين ، وسقوط السفر عنه مرة ثانية
إلى النسك الثاني الذي هو الحج ، وهنا نوعان من التمتع اختلف العلماء فيهما : أحدهما :
فسخ الحج في عمرة ، وهو تحويل النية من الاحرام بالحج إلى العمرة ، فجمهور العلماء
يكرهون ذلك في الصدر الأول ، وفقهاء الأمصار ، وذهب ابن عباس إلى جواز ذلك وبه
قال أحمد ، وداود . وكلهم متفقون أن رسول الله ( ص ) أمر أصحابه عام حج بفسخ الحج في
العمرة ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت
الهدي ، ولجعلتها عمرة وأمره لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يفسخ إهلاله في
العمرة ، وبهذا تمسك أهل الظاهر . والجمهور رأوا ذلك من باب الخصوص لأصحاب
رسول الله ( ص ) واحتجوا بما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن
الحارث المدني عن أبيه قال قلت يا رسول الله أفسخ لنا خاصة ، أم لمن بعدنا ؟ قال :
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 267
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٦٧