والغاسل رأسه ، هو إما أن يفعل هذه كلها ، أو بعضها . واتفقوا على منع غسله رأسه
بالخطمي وقال مالك ، وأبو حنيفة : إن فعل ذلك افتدى . وقال أبو ثور وغيره : لا شئ
عليه . واختلفوا في الحمام ، فكان مالك يكره ذلك ، ويرى أن على من دخله الفدية وقال
أبو حنيفة ، والشافعي ، والثوري ، وداود : لا بأس بذلك . وروي عن ابن عباس دخول الحمام .
وهو محرم من طريقين . والأحسن أن يكره دخوله ، لان المحرم منهي عن إلقاء التفث .
وأما المحظور الخامس : فهو الاصطياد ، وذلك أيضا مجمع عليه لقوله سبحانه وتعالى
* ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) * وقوله تعالى : * ( لا تقتلوا الصيد وأنتم
حرم ) * . وأجمعوا على أنه لا يجوز له صيده ، ولا أكل ما صاد هو منه واختلفوا إذا صاده
حلال هل يجوز للمحرم أكله ؟ على ثلاثة أقوال : قول : إنه يجوز له أكله على الاطلاق ،
وبه قال أبو حنيفة وهو قول عمر بن الخطاب والزبير . وقال قوم : هو محرم عليه على
كل حال ، وهو قول ابن عباس وعلي ، وابن عمر ، وبه قال الثوري . وقال مالك : ما لم يصد
من أجل المحرم ، أو من أجل قوم محرمين ، فهو حلال ، وما صيد من أجل المحرم ، فهو حرام
على المحرم . وسبب اختلافهم : تعارض الآثار في ذلك ، فأحدها ما خرجه مالك من
حديث أبي قتادة أنه كان مع رسول الله ( ص ) حتى إذا كانوا ببعض طرق مكة تخلف مع
أصحاب له محرمين ، وهو غير محرم ، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه ، فسأل
أصحابه أن يناولوه سوطه ، فأبوا عليه فسألهم رمحه ، فأبوا عليه ، فأخذه ، ثم شد على الحما ،
فقتله ، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ( ص ) ، وأبى بعضهم ، فلما أدركوا رسول الله ( ص )
سألوه عن ذلك ، فقال : إنما هي طعمة أطعمكموها الله . وجاء أيضا في معناه حديث
طلحة بن عبيد الله ، ذكره النسائي : أن عبد الرحمن التميمي قال : كنا مع طلحة بن عبيد الله ،
ونحن محرمون ، فأهدي له ظبي وهو راقد ، فأكل بعضنا ، فاستيقظ طلحة ، فوافق على
أكله ، وقال : أكلناه مع رسول الله ( ص ) . والحديث الثاني حديث ابن عباس خرجه أيضا
مالك أنه أهدى لرسول الله ( ص ) حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء ، أو بودان ، فرده عليه ، وقال : إنا
لم نرده عليك إلا أنا حرم . وللاختلاف سبب آخر ، وهو هل يتعلق النهي عن الأكل
بشرط القتل أو يتعلق بكل واحد منهما النهي عن الانفراد ؟ فمن أخذ بحديث أبي قتادة
قال : إن النهي إنما يتعلق بالأكل مع القتل ومن أخذ بحديث ابن عباس قال : النهي
يتعلق بكل واحد منهما على انفراده ، فمن ذهب في هذه الأحاديث مذهب الترجيح قال :
إما بحديث أبي قتادة ، وإما بحديث ابن عباس ، ومن جمع بين الأحاديث قال بالقول
الثالث ، قالوا : والجمع أولى ، وأكدوا ذلك بما روي عن جابر عن النبي ( ص )
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 265
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٦٥