من أيام أخر ) * وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر ، فهو المشقة ، ولما
كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك وجب أن يقاس في ذلك على الحد في
تقصير الصلاة . وأما المرض الذي يجوز فيه الفطر ، فإنهم اختلفوا فيه أيضا ، فذهب قوم
إلى أنه المرض الذي يلحق من الصوم فيه مشقة وضرورة ، وبه قال مالك وذهب قوم
إلى أنه المرض الغالب وبه قال أحمد . وقال قوم : إذا انطلق عليه اسم المريض ، أفطر
وسبب اختلافهم : هو بعينه سبب اختلافهم في حد السفر .
وأما المسألة الخامسة : وهي متى يفطر المسافر ، ومتى يمسك ، فإن قوما قالوا : يفطر
يومه الذي خرج فيه مسافرا ، وبه قال الشعبي والحسن ، وأحمد . وقالت طائفة : لا يفطر يومه
ذلك ، وبه قال فقهاء الأمصار واستحبت جماعة العلماء لمن علم أنه يدخل المدينة أول
يومه ذلك أن يدخل صائما وبعضهم في ذلك أكثر تشديدا من بعض ، وكلهم لم يوجبوا
علمن دخل مفطرا كفارة . واختلفوا فيمن دخل : وقد ذهب بعض النهار ، فذهب مالك
الشافعي إلى أنه يتمادى على فطره وقال أبو حنيفة وأصحابه : يكف عن الأكل ، وكذلك الحائض عنده تطهر ، تكف عن الأكل . والسبب في اختلافهم في الوقت الذي يفطر فيه
المسافر : هو معارضة الأثر للنظر . أما الأثر ، فإنه ثبت من حديث ابن عباس أن
رسول الله ( ص ) صام حتى بلغ الكديد ، ثم أفطر ، وأفطر الناس معه وظاهر هذا أنه أفطر بعد
أن بيت الصوم . وأما الناس ، فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم وفي هذا المعنى
أيضا حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ( ص ) خرج عام الفتح إلى مكة ، فسار حتى
بلغ كراع الغميم وصام الناس ، ثم دعا بقدح من ماء ، فرفعه حتى نظر الناس إليه ، ثم شرب ،
فقيل له بعد ذلك : إن بعض الناس قد صام فقال : أولئك العصاة ، أولئك العصاة . وخرج
أبو داود عن أبي نضرة الغفاري أنه لما تجاوز البيوت دعا بالسفرة ، قال جعفر راوي
الحديث ، فقال : ألست تؤم البيوت ؟ فقال : أترغب عن سنة رسول الله ( ص ) ؟ قال جعفر :
فأكل . وأما النظر ، فلما كان المسافر لا يجوز له إلا أن يبيت الصوم ليلة سفره ، لم يجز له أن
يبطل صومه ، وقد بيته لقوله تعالى : * ( ولا تبطلوا أعمالكم ) * . وأما اختلافهم في إمساك
الداخل في أثناء النهار عن الأكل ، أو لا إمساكه : فالسبب فيه اختلافهم في تشبيه من يطرأ
عليه في يوم شك أفطر فيه الثبوت أنه من رمضان ، فمن شبهه به ، قال : يمسك عن الأكل ،
ومن لم يشبهه به ، قال : لا يمسك عن الأكل ، لان الأول ، أكل موضع الجهل ، وهذا أكل
لسبب مبيح ، أو موجب للأكل ، والحنفية تقول : كلاهما سببان موجبان للامساك عن الأكل
بعد إباحة الأكل .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 238
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٣٨