يقوم مقام النية في التعيين ، والذي في الذمة ليس له وقت مخصوص فأوجب إذن التعيين
بالنية . وجمهور الفقهاء على أنه ليست الطهارة من الجنابة شرطا في صحة الصوم ، لما ثبت من
حديث عائشة ، وأم سلمة زوجي النبي ( ص ) أنهما قالتا كان رسول الله ( ص ) يصبح جنبا من جماع
غير احتلام في رمضان ، ثم يصوم ومن الحجة لهما الاجماع على أن الاحتلام بالنهار
لا يفسد الصوم ، وروي عن إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير ، وطاووس أنه إن تعمد ذلك
أفسد صومه . وسبب اختلافهم : ما روي عن أبي هريرة أنه كان يقول : من أصبح جنبا في
رمضان ، أفطر وروي عنه أنه قال : ما أنا قلته محمد ( ص ) قاله ، ورب الكعبة . وذهب ابن
الماجشون من أصحاب مالك أن الحائض ، إذا ظهرت قبل الفجر ، فأخرت الغسل أن يومها يوم
فطر ، وأقاويل هؤلاء شاذة ، ومردودة بالسنن المشهورة الثابتة .
القسم الثاني : من الصوم المفروض
وهو الكلام في الفطر ، وأحكامه ، والمفطرون في الشرع على ثلاثة أقسام : وصنف
يجوز له الفطر ، والصوم بإجماع ، وصنف يجب عليه الفطر على اختلاف في ذلك بين
المسلمين . وصنف لا يجوز له الفطر ، وكل واحد من هؤلاء تتعلق به أحكام . أما الذين
يجوز لهم الأمران : فالمريض باتفاق ، والمسافر باختلاف والحامل ، والمرضع ، والشيخ
الكبير ، وهذا التقسيم كله مجمع عليه . فأما المسافر ، فالنظر فيه في مواضع منها : هل إن
صام ، أجزأه صومه ، أم ليس يجزيه ؟ وهل إن كان يجزي المسافر صومه الأفضل له الصوم أو
الفطر ، أو هو مخير بينهما ؟ وهل الفطر الجائز له هو في سفر محدود ، أم في كل ما ينطلق
عليه اسم السفر في وضع اللغة ؟ ومتى يفطر ومتى يمسك ؟ وهل إذا مرض بعض
الشهر له أن ينشئ السفر أم لا ؟ ثم إذا أفطر ما حكمه ؟ وأما المريض فالنظر فيه أيضا في
تحديد المرض الذي يجوز له فيه الفطر ، وفي حكم الفطر .
أما المسألة الأولى : وهي إن صام المريض ، والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه ، أم
لا ؟ فإنهم اختلفوا في ذلك ، فذهب الجمهور إلى أنه ، إن صام ، وقع صيامه ، وأجزأه وذهب
أهل الظاهر إلى أنه لا يجزيه ، وأن فرضه هو أيام أخر . والسبب في اختلافهم : تردد قوله
تعالى : * ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) * بين أن يحمل على
الحقيقة ، فلا يكون هنالك محذوف أصلا ، أو يحمل على المجاز ، فيكون التقدير فأفطر ، فعدة
من أيام أخر ، وهذا الحذف في الكلام هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب
. فمن حمل الآية على الحقيقة ، ولم يحملها على المجاز ، قال : إن فرض المسافر عدة من أيام
أخر لقوله تعالى : * ( فعدة من أيام أخر ) * ومن قدر فأفطر قال : إنما فرضه عدة من
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 236
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٣٦