وأما المسألة الثانية : فإن الذي دخل المسجد ، وقد صلى لا يخلو من أحد وجهين : إما
أن يكون صلى منفردا ، وإما أن يكون صلى في جماعة . فإن كان صلى منفردا ، فقال قوم :
يعيد معهم كل الصلوات إلا المغرب فقط وممن قال بهذا القول : مالك وأصحابه ، وقال
أبو حنيفة : يعيد الصلوات كلها إلا المغرب والعصر ، وقال الأوزاعي : إلا المغرب
والصبح ، وقال أبو ثور : إلا العصر والفجر ، وقال الشافعي : يعيد الصلوات كلها . وإنما
اتفقوا على إيجاب إعادة الصلاة عليه بالجملة لحديث بشر بن محمد عن أبيه : أن
رسول الله ( ص ) قال له حين دخل المسجد ، ولم يصل معه : ما لك لم تصل مع الناس ،
ألست برجل مسلم ؟ فقال : بلى يا رسول الله ، ولكني صليت في أهلي ، فقال عليه الصلاة
والسلام إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت . فاختلف الناس لاحتمال
تخصيص هذا العموم بالقياس أو بالدليل ، فمن حمله على عمومه ، أوجب عليه إعادة
الصلوات كلها ، وهو مذهب الشافعي وأما من استثنى من ذلك صلاة المغرب فقط ، فإنه
خصص العموم بقياس الشبه ، وهو مالك رحمه الله ، وذلك أنه زعم أن صلاة المغرب هي
وتر ، فلو أعيدت ، لأشبهت صلاة الشفع التي ليست بوتر ، لأنها كانت تكون بمجموع ذلك
ست ركعات ، فكأنها كانت تنتقل من جنسها إلى جنس صلاة أخرى ، وذلك مبطل لها ، وهذا
القياس فيه ضعف ، لان السلام قد فصل بين الأوتار والتمسك بالعموم أقوى من الاستثناء
بهذا النوع من القياس . وأقوى من هذا ما قاله الكوفيون من أنه إذا أعادها يكون قد أوتر
مرتين ، وقد جاء في الأثر : : " لا وتران في ليلة " وأما أبو حنيفة فإنه قال : إن الصلاة
الثانية تكون له نفلا ، فإن أعاد العصر يكون قد تنفل بعد العصر . وقد جاء النهي عن ذلك ،
فخصص العصر بهذا القياس ، والمغرب بأنها وتر والوتر لا يعاد ، وهذا قياس جيد إن سلم
لهم الشافعية أن الصلاة الأخيرة له نفل . وأما من فرق بين العصر ، والصبح في ذلك ، فلانه
لم تختلف الآثار في النهي عن الصلاة بعد الصبح ، واختلف في الصلاة بعد العصر كما
تقدم ، وهو قول الأوزاعي . وأما إذا صلى في جماعة ، فهل يعيد في جماعة أخرى ؟ فأكثر
الفقهاء على أنه لا يعيد ، منهم مالك ، وأبو حنيفة . وقال بعضهم : بل يعيد ، وممن قال بهذا
القول أحمد ، وداود ، وأهل الظاهر . والسبب في اختلافهم : تعارض مفهوم الآثار في ذلك .
وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : لا تصلى صلاة في يوم مرتين وروي
عنه : أنه أمر الذين صلوا في جماعة أن يعيدوا مع الجماعة الثانية وأيضا فإن ظاهر حديث
بسر يوجب الإعادة على كل مصل إذا جاء المسجد ، فإن قوته قوة العموم ، والأكثر على أنه إذا
ورد العام على سبب خاص لا يقتصر به على سببه ، وصلاة معاذ مع النبي عليه الصلاة
والسلام ، ثم كان يؤم قومه في تلك الصلاة فيه دليل على جواز إعادة الصلاة في الجماعة .
فذهب الناس في هذه الآثار مذهب الجمع ، ومذهب الترجيح ، أما من ذهب مذهب
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 116
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١١٦