والسبب في اختلافهم : تعارض مفهومات الآثار في ذلك ، وذلك أن ظاهر قوله عليه الصلاة
والسلام : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ، أو بسبع وعشرين
درجة يعني أن الصلاة في جماعات من جنس المندوب إليه ، وكأنها كمال زائد على
الصلاة الواجبة ، فكأنه قال عليه الصلاة والسلام : صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد .
والكمال إنما هو شئ زائد على الاجزاء ، وحديث الأعمى المشهور حين استأذنه في
التخلف عن صلاة الجماعة ، لأنه لا قائد له ، فرخص له في ذلك ، ثم قال له عليه الصلاة
والسلام : أتسمع النداء ؟ قال : نعم ، قال : لا أجد لك رخصة هو كالنص في وجوبها
مع عدم العذر . خرجه مسلم . ومما يقوي هذا حديث أبي هريرة المتفق على صحته ، وهو
أن رسول الله ( ص ) قال : والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ، فيحطب ثم آمر
بالصلاة ، فيؤذن لها ، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ،
والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا ، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء
وحديث ابن مسعود وقال فيه إن رسول الله ( ص ) علمنا سنن الهدى ، وإن من سنن
الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه وفي بعض رواياته : ولو تركتم سنة نبيكم
لضللتم . فسلك كل واحد من هذين الفريقين مسلك الجمع بتأويل حديث مخالفه . وصرفه
إلى ظاهر الحديث الذي تمسك به . فأما أهل الظاهر ، فإنهم قالوا : إن المفاضلة لا يمنع
أن تقع في الواجبات أنفسها : أي أن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة ،
تفضل صلاة المنفرد في حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة ، لكان العذر بتلك
الدرجات المذكورة . قالوا : وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين ، واحتجوا لذلك بقوله
عليه الصلاة والسلام : صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم . وأما أولئك ، فزعموا أنه
يمكن أن يحمل حديث الأعمى على نداء يوم الجمعة ، إذ ذلك هو النداء الذي يجب على
من سمعه الاتيان إليه باتفاق ، وهذا فيه بعد . والله أعلم ، لان نص الحديث هو أن أبا هريرة
قال : أتى النبي ( ص ) رجل أعمى . فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى
المسجد ، فسأل رسول الله ( ص ) أن يرخص له ، فيصلي في بيته ، فرخص له ، فلما ولى دعاه
، فقال : هل تسمع النداء بالصلاة ؟ فقال : نعم ، قال : فأجب . وظاهر هذا يبعد أن يفهم
منه نداء الجمعة ، مع أن الاتيان إلى صلاة الجمعة واجب على كل من كان في المصر ، وإن لم
يسمع النداء ، ولا أعرف في ذلك خلافا . وعارض هذا الحديث أيضا حديث عتبان بن مالك
المذكور في الموطأ ، وفيه أن عتبان بن مالك كان يأم وهو أعمى ، وأنه قال
لرسول الله ( ص ) إنه تكون الظلمة والمطر والسيل وأنل رجل ضرير البصر فصل
يا رسول الله في بيتي مكانا ، أتخذه مصلى فجاءه رسول الله ( ص ) ، فقال : أين تحب أن
أصلي ، فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله ( ص ) .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 115
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١١٥