كما فعلوا بأسماء الشهور ، فإنهم سموا كل شهر بما
اتفق به في فصله ، من حرر أو برد ، فسقط جمادى
في شدة البرد وجمود المياه ، والربيعان في أيام الصيف ،
وصفر حيث صفرت الأرض من الخيرات ، وكانت
تسميتها لذلك في أزمنة متباعدة ، ولم يكن في عام
واحد متوال ، ولو كان في عام واحد ، كان من
المحال أن يجئ جمادى ، وهم يريدون به جمود
الماء وشدة البرد ، بعد الربيع ، ثم تغيرت الأزمنة
ولزمها ذلك الاسم ، وإربل : قلعة حصينة ، ومدينة
كبيرة ، في فضاء من الأرض واسع بسيط ، ولقلعتها
خندق عميق ، وهي في طرف من المدينة ، وسور
المدينة ينقطع في نصفها ، وهي على تل عالم من التراب ،
عظيم واسع الرأس ، وفي هذه القلعة أسواق ومنازل
للرعية ، وجامع للصلاة ، وهي شبيهة بقلعة حلب ،
إلا أنها أكبر وأوسع رقعة . طول إربل تسع
وستون درجة ونصف ، وعرضها خمس وثلاثون درجة
ونصف وثلث ، وهي بين الزابين ، تعد من أعمال
الموصل ، وبينهما مسيرة يومين . وفي ربض هذه
القلعة ، في عصرنا هذا ، مدينة كبيرة ، عريضة طويلة ،
قام بعمارتها ، وبناء سورها ، وعمارة أسواقها وقيسارياتها ،
الأمير مظفر الدين كوكبرى بن زين الدين كوجك
علي ، فأقام بها ، وقامت ، بمقامه بها ، لها سوق وصار
له هيبة ، وقاوم الملوك ونابذهم بشهامته وكثرة
تجربته حتى هابوه ، فانحفظ بذلك أطرافه ، وقصدها
الغرباء ، وقطنها كثير منهم ، حتى صارت مصرا
كبيرا من الأمصار . وطباع هذا الأمير مختلفة
متضادة ، فإنه كثير الظلم ، عسوف بالرعية ، راغب
في أخذ الأموال من غير وجهها ، وهو مع ذلك
مفضل على الفقراء ، كثير الصدقات على الغرباء ، يسير
الأموال الجمة الوافرة يستفك بها الأسارى من أيدي
الكفار ، وفي ذلك يقول الشاعر :
كساعية للخير من كسب فرجها ،
لك الويل ! لا تزني ولا تتصدقي
ومع سعة هذه المدينة ، فبنيانها وطباعها بالقرى
أشبه منها بالمدن ، وأكثر أهلها أكراد قد استعربوا ،
وجميع رساتيقها وفلاحيها وما ينضاف إليها أكراد ،
وينضم إلى ولايتها عدة قلاع ، وبينها وبين بغداد
مسيرة سبعة أيام للقوافل ، وليس حولها بستان ، ولا
فيها نهر جار على وجه الأرض ، وأكثر زروعها على
القني المستنبطة تحت الأرض ، وشربهم من آبارهم
العذبة الطيبة المريئة ، التي لا فرق بين مائها وماء
دجلة في العذوبة والخفة ، وفواكهها تجلب من جبال
تجاورها ، ودخلتها فلم أر فيها من ينسب إلى فضل
غير أبي البركات المبارك بن أحمد بن المبارك بن موهوب
ابن غنيمة بن غالب ، يعرف بالمستوفي ، فإنه متحقق
بالأدب ، محب لأهله ، مفضل عليهم ، وله دين
واتصال بالسلطان ، وخلة شبيهة بالوزارة ، وقد
سمع الحديث الكثير ممن قدم عليهم إربل ، وألف
كتبا ، وقد أنشدني من شعره ، وكتب لي بخطه
عدة قطع ، منها :
تذكر نيك الريح مرت عليلة
على الروض مطلولا ، وقد وضح الفجر
وما بعدت دار ، ولا شط منزل ،
إذا نحن أدنتنا الأماني والذكر
وقد كان اشتهر شعر نوشروان البغدادي ، المعروف
بشيطان العراق الضرير ، فيها سالكا طريق الهزل ،
راكبا سنن الفكاهة ، موردا ألفاظ البغداديين
والأكراد ، ثم إقلاعه عن ذلك والرجوع عنه ،
ومدحه لإربل ، وتكذيبه نفسه ، وأنا أورد مختار
معجم البلدان — صفحة 138
مساهمون: ياقوت الحموي
ص١٣٨