ومما يزيد ما قلناه في فارس وضوحا ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان بعث خنيس بن عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى وكتب إليه كتابا بدأ فيه بنفسه . فلما قرأه كسرى غضب ومزّقه وبعث إليه بتراب . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : مزّق كتابي . أما انه سيمزق دينه وأمته وملكه ، وبعث إليّ ترابا . أما إنكم ستملكون أرضه . فكيف يكون البقية الحسنة لمن أعلمنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنهم سيمزقون ؟ لا جرم إنهم قد خملوا ودرسوا مدارس إلى يومنا هذا .
[ وهم ] ( 1 ) أبخع الناس بطاعة سلطان ، وأصبرهم على الظلم وأثقلهم خراجا وأذلهم نفوسا .
وذكر جماعة من مشايخهم أنهم لم يعرفوا عدلا قط ، وإن سيرتهم ( 2 ) عمر بن عبد العزيز شملت البلاد كلَّها غير بلدهم ، فإن عامله الذي أنفذه إليهم هلك في سيره نحوهم .
ويزعم قوم من أهل السواد أنهم من أبناء أشراف فارس . وربما قال بعضهم إنهم قوافل خراسان . وإنما كانوا فإن الله قد [ 158 أ ] أسبغ عليهم بالعرب النعمة وظاهر لهم الكرامة وأثقب لهم العز وأبدلهم بها ( ) ( 3 ) حالا لا ينكرها غير ( 4 ) منقوص أو حاسد كفور . لأن السواد فتحته العرب عنوة ، والإمام مخيّر في العنوة بين القتل والرق والفدية والمنّ ، فاختاروا خير الأمور لهم وحقنوا دماءهم ومنّوا عليهم وأقرّوا الأموال في أيديهم .
ثم جاوروا السلطان من بني العباس وأولياءه من أهل خراسان ، فاستخلصهم
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق .
( 2 ) كذا في الأصل .
( 3 ) كلمة مطموسة . وقبلها ( أثقب لهم العز ) غير واضحة المعنى .
( 4 ) في الأصل : لا ينكرها إلَّا غير . . .