فقالوا للنبطي : ويحك ! زدتنا تعبا على تعبنا . وقد رجونا أن تخفف عنا .
قال : أوليس عملكم إنما هو بالنهار ، وبالليل أنتم مستريحون ؟
قالوا : بلى .
قال : فإنما تعملون نصف الدهر ونصفه تبطلون . ثم انطلق إلى سليمان فقال : يا نبي الله ! اعلم أن هؤلاء الجن النقّالة يعملون نهارهم . فإذا كان الليل عرجوا إلى السماء واسترقوا السمع وأتوا [ 27 أ ] الكهان فخبروهم بذلك وعبثوا بالناس والبهائم .
قال : فما الحل ؟
قال : تبني حول مدينتك هذه أركانا معلقة على عددهم . فإذا فرغوا من عملهم نهارا أمرتهم فصعدوا ليلهم إلى هذه الأركان وتأمرهم بالتسبيح والتهليل إلى الصباح . فيكون لك ثواب ذلك . ومن فقدت صوته منهم عذبته فإنك تعرف أصواتهم ولا يخفى عليك شيء منها .
ففعل ذلك بهم فشكوا إلى إبليس ما قد حلّ بهم فقال : ليس وراء هذه الشدّة شيء فتوقعوا الآن الفرج . فلم تمض إلَّا أيام يسيرة حتى مات سليمان عليه السلام .
وكان رجل من أهل السواد في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخلف .
بعض عمال عمر على السواد . فأتاه غلام من العرب وهو في قرية تدعى براثا من برّ رخسابور فسأله أن يحمله فأبى ، وسأله القرى فالتوى . فلما أكثر عليه قال : يا غلام ! أعطه دجاجة . فانصرف الغلام وهو يقول - وكان العامل يكنى أبا جبيرة :
أتيت أبا جبيرة في براثا
فقال الحق بأهلك يا غلام
وهاك دجاجة فتعشّ منها
ولا يكثر عليّ لك الكلام
فبلغ خبره عمر ، فجعل على أهل السواد قرى الضيف وحمل المنقطع وإرشاد الضال .
وقال ابن عباس : النبطي والأعرابي لا يقطعان أمرا دون نسائهما .