ثم سرّ هذا الفصل أنه إذا كان يحلف لاعتقاد خلو الواقعة عن البينة ، حلف على النفي ، وإذا كان يحلف لترجيح بينته حلف على إثبات الملك ، كما يحلف من خرجت له القرعة .
ونقول بعد ذلك : بينة المدعى عليه في مسلك بعض الأئمة مُثبتةٌ له ملكاً ، وعلى هذا الوجه انتهى التفريع إلى سماع بينته أولاً ، وهي عند بعض الأئمة قادحة في بينة المدعي بالمعارضة والمناقضة ، وليست [ مفيدةً ] ( 1 ) ملكاً . وقد انتهى هذا الطرف من الكلام ، وحان أن نأخذ في طرف آخر من هذا القسم ( 2 ) ، فنقول :
12218 - إذا أقام المدعي بينة عادلة ، ولم يتمكن المدعى عليه من إقامة بينته ، فأزال القاضي يده ، وسلّم العين المدعاة إلى المدعي ، فلو جاء المدعى عليه ببينته ، وقال : أحضرت بينتي ؛ فهل يسمعها ؟ وكيف الطريق فيها ؟ فعلى وجهين ، ذكرهما القاضي ، وقال : أظهرهما - أن البينة لا تُسمع ، لأنا نفضنا يده ، وأجرينا القضاء به ، فلو قبلنا بينته ، لكان ذلك نقضاً للقضاء السابق ، إلا أن يقيم البينة على تملك من جهة المدعي ، الذي هو صاحب اليد الآن . هذا وجه . وعليه بحث سنذكره .
والوجه الثاني - نسمع بينته ؛ لأنها تستند إلى يده ونقضي له ، كما كان يقضى له لو أقام البينة ويده بعدُ قائمة دائمة ؛ فإن يد المدعي ترتبت على يده في ظاهر الأمر .
وهذان الوجهان مبهمان ، ونحن نوضحهما بالبحث والتفريع . فأما الوجه الأول - الذي رآه القاضي أظهرَ الوجهين - ففيه شيء ، وهو أنه قال : ينبغي أن يقيم بينةً على تلقي الملك من المدعي ، وهذا فيه نظر ؛ فإنه لو أقام بينة على تلقي الملك من سبب آخر ، وجب قبول بينته . وإنما لا نقبل بينته إذا لم يذكر سبباً أصلاً ، واقتصر على ادعاء الملك المطلق ، فلا معنى لاشتراط التلقي من هذا المدعي ، وحاصل هذا الوجه أن البينة المطلقة كانت تسمع من هذا الشخص في حال دوام يده ، على المذهب الظاهر ، وإذا أزيلت يده ، فجاء ببيّنة مطلقة ، فقد لا تُسمع ، والبحث بعدُ قائم .
هامش
( 1 ) في الأصل : " مفسدة " .
( 2 ) يعني القسمَ الأول من أقسام التداعي ، وهو أن يجري بين صاحب يد ومن لا يدَ له ، وُيعبّر عنه أيضاً بين الداخل والخارج .