حنيفة ( 1 ) في خبط ومناقضات ، وتعويلُ المذهب على تحقيق الملك في الحال ، ولسنا نلتزم الكلام في الأشياء الموقوفة ، وما يَضعُف الملك فيه ، وما يتطرّق إليه الشبهات ، كأموال بعض الناس في حقوق البعض ، وكأموال بيت المال ، وإنما غرضنا الكلام على الأجناس ، وتلك الفصول ستأتي في مواضعها ، إن شاء الله عز وجل .
11089 - فأما الكلام في الحرز ، قال الشافعي : " وجملة الحرز أن ينظر إلى المسروق . . . إلى آخره " ( 2 ) .
هذا الفصل مما يجب الاهتمام بضبطه ؛ فإنه القطب الأعظم في الكتاب ، وليس فيه ضبطٌ توقيفي ، ولا معنىً يدركه قياسٌ جلي . فنقول : السرقة إخراج مالٍ مصون بحرز مثله عن حرزه ، ووضع الشرع على أن يستفرغ المالك الوُسعَ في صون ماله ، ثم إذا كان كذلك ، والسراق لا يرجعون إلى شوكة وعُدة ، وإنما مبنى أمرهم على الاختزال فيبعد أن يُؤْثروا التهجم على الحرز ، والتعرض للخطر لمقدارٍ نزر تافه ، وإذا عظم قدرُ المال ، فقد ينتهض ذوو العرامة للتعلق بأسباب الاحتيال ومصادمة الأغرار ، فرَدَعَهم الشرع بشَرعْ القطع ، ثم الحرز لا يتصور ضبطه بتوقيفٍ ، فورد مطلقاً محمولاً على ما يعد حرزاً ، ويعد صاحبه غير مضيع ، ثم النهايات ليست مرعية .
فانتظم من ذلك أن ما يعدّه الناس حرزاً ، فهو حرز في الشرع ، وما لا فلا ، ويترتب على هذا اختلاف الاحتراز باختلاف أجناس ( 3 ) الأموال ؛ فإن أعيان الدراهم والدنانير تعدّ ضائعة في عرصات الدور ، بخلاف المفارش والأواني ، وذلك في التحقيق يخرّج على القاعدة ؛ فإن الدراهم إذا لم تكن في المخازن تشوّفَ إليها طالبوها ، بخلاف ما يثقل محمله ، أو تقل قيمته ، ولذلك اطردت العادة بالإحراز بالمخازن .
والاصطبل حرز الدواب على نفاستها ، وقد لا نراه حرز الثوب ؛ من جهة أن
هامش
( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 272 ، رؤوس المسائل : 492 مسألة 356 ، الهداية : 2 / 410 .
( 2 ) ر . المختصر : 5 / 169 .
( 3 ) ت 4 : " الأجناس " .