فعقل المعرفة ، قلبه متعلق بهمه ، وهمه موكل بمعاده ، لا يفرح إذا فرح أهل الدنيا ، بل حزنه عليه
سرمد ، وفرحه إذا نامت العيون يتلو كتاب الله ويردده على قلبه ، فمرة يفزع قلبه ومرة تدمع عينه ،
يقطع عنه الليل بالتلاوة ، ويقطع عنه النهار بالخلوة والعزلة ، مفكرا في ذنوبه ، مستصغرا لأعماله .
وقال وهب : فهذا ينادي يوم القيامة في ذلك الجمع العظيم على رؤوس الخلائق : قم أيها الكريم
فادخل الجنة .
وقال إبراهيم بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن مسعود ، عن ثور بن يزيد . قال : قال
وهب بن منبه : الويل لكم إذا سماكم الناس صالحين ، وأكرموكم على ذلك . وقال الطبراني : حدثنا
عبيد بن محمد الكشوري ، حدثنا همام بن سلمة بن عقبة ، حدثنا غوث بن جابر ، حدثنا عقيل بن
معقل بن منبه قال : سمعت عمي وهب بن منبه يقول : يا بني ! أخلص طاعة الله بسريرة ناصحة
يصدق بها فعلك في العلانية ، فإن من فعل خيرا ثم أسره إلى الله فقد أصاب مواضعه ، وأبلغه
قراره ، ووضعه عند حافظه وإن من أسر عملا صالحا لم يطلع عليه إلا الله ، فقد أطلع عليه من هو
حسبه ، واستحفظه واستودعه حفيظا لا يضيع أجره ، فلا تخافن يا بني على من عمل صالحا أسره إلى
الله عز وجل ضياعا ، ولا تخافن ظلمة ولا هضمة ، ولا تظنن أن العلانية هي أنجح من السريرة ،
فإن مثل العلانية مع السريرة كمثل ورق الشجرة مع عرقها ، العلانية ورقها والسريرة أصلها ، إن
يحرق العرق هلكت الشجرة كلها ، وإن صلح الأصل صلحت الشجرة ، ثمرها وورقها ، والورق
يأتي عليه حين يجف ويصير هباء تذروه الرياح ، بخلاف العرق ، فإنه لا يزال ما ظهر من الشجرة في
خير وعافية ما كان عرقها مستخفيا لا يرى منه شئ ، كذلك الدين والعلم والعمل ، لا يزال صالحا ما
كان له سريرة صالحة يصدق الله بها علانية العبد ، فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة ، ولا تنفع
العلانية مع السريرة الفاسدة ، كما ينفع عرق الشجرة صلاح فرعها ، وإن كان حياته من قبل
عرقها ، فإن فرعها زينتها وجمالها ، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين ، فإن العلانية معها تزين
الدين وتجمله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاء ربه عز وجل .
وقال الهيثم بن جميل : حدثنا صالح المري عن أبان عن وهب قال : قرأت في الحكمة : الكفر
أربعة أركان ، ركن منه الغضبة ، وركن منه الشهوة ، وركن منه الطمع ، وركن منه الخوف .
وقال : أوحى الله تعالى إلى موسى : إذا دعوتني فكن خائفا مشفقا وجلا ، وعفر خدك بالتراب ،
واسجد لي بمكارم وجهك ويديك ، وسلني حين تسألني بخشية من قلبك ووجل ، واخشني أيام
الحياة ، وعلم الجهال آلائي ، وقل لعبادي لا يتمادوا في غي ما هم فيه فإن أخذي أليم شديد . وقال
وهب : إذا هم الوالي بالجور أو عمل به دخل النقص على أهل مملكته ، وقلت البركات في التجارات
والزراعات والضروع والمواشي ، ودخل المحق في ذلك ، وأدخل الله عليه الذل في ذاته وفي ملكه .
وإذا هم بالعدل والخير كان عكس ذلك ، من كثرة الخير ونمو البركات . وقال وهب : كان في مصحف
البداية والنهاية — صفحة 329
مساهمون: ابن كثير
ص٣٢٩