الفقهاء ، وحلما لا يتعايا فيه الحلماء ، قال : بلى يا أبا عبد الله ، قال : أما الطب فلا تأكل طعاما إلا
سميت الله على أوله وحمدته على آخره ، وأما الفقه فإن سئلت عن شئ عندك فيه علم فأخبر بما تعلم
وإلا فقل : لا أدري ، وأما الحلم فأكثر الصمت إلا أن تسأل عن شئ . وقال : إذا كان الصبي
خلقان ، الحياء والرهبة ، طمع في رشده .
وقال : لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس قال له ملك هناك : صف لي الناس ، فقال محادثتك
من لا يعقل كمن يغني الموتى ، ومحادثتك من لا يعقل كمن يبل الصخر الأصم كي يلين ، وكمن
يطبخ الحديد يلتمس أدمه ، ومحادثتك من لا يعقل كمن يضع المائدة لأهل القبور ، ونقل الحجارة من
رؤوس الجبال أيسر من محادثة من لا يعقل . وقال : قرأت في بعض الكتب أن مناديا ينادي من السماء
الرابعة كل صباح : أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده ، أبناء الخمسين ماذا قدمتم ؟ أبناء الستين لا
عذر لكم ، ليت الخلق لم يخلقوا ، وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا ، قد أتتكم الساعة فخذوا
حذركم . وقال : قال دانيال : يا لهفي على زمن يلتمس فيه الصالحون فلا يوجد منهم أحد ، إلا
كالسنبلة في أثر الحاصد ، أو كالخصلة في أثر القاطف ، يوشك نوائح أولئك وبواكيهم أن تبكيهم .
وروى عبد الرزاق عن عبد الصمد بن معقل . قال : سمعت وهبا يقول في قوله تعالى :
( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) [ الأنبياء : 47 ] قال : إنما يوزن من الأعمال خواتيمها ،
وإذا أراد الله بعبد خيرا ختم له بخير عمله . وإذا أراد الله بعبد شرا ختم له بشر عمله . وقال وهب :
إن الله تعالى لما فرغ من الخلق نظر إليهم حين مشوا على وجه الأرض فقال : أنا الله لا إله إلا أنا الذي
خلقتكم وأفنيكم بحكمي حق قضائي ونافذ أمري ، أنا أعيدكم كما خلقتكم ، وأفنيكم حتى أبقى
وحدي ، فإن الملك والخلود لا يحق إلا لي ، أدعو خلقي وأجمعهم بقضائي ، يوم أحشر أعدائي ،
وتجل القلوب من هيبتي . وتتبرأ الآلهة ممن عبدها دوني .
قال : وذكر وهب أن الله لما فرغ من خلقه يوم الجمعة أقبل يوم السبت فمدح نفسه بما هو أهله
وذكر عصمته وجبروته وكبرياءه وسلطانه وقدرته وملكه وربوبيته ، فأنصت كل شئ وأطرق له ،
فقال : أنا الملك لا إله إلا أنا ذو الرحمة الواسعة والأسماء الحسنى ، أنا الله لا إله إلا أنا ذو العرش
المجيد والأمثال العلا ، أنا الله لا إله إلا أنا ذو الطول والمن والآلاء والكبرياء ، أنا الله لا إله إلا أنا
بديع السماوات والأرض ، ملأت كل شئ عظمتي ، وقهر كل شئ ملكي ، وأحاطت بكل شئ
قدرتي ، وأحصى كل شئ علمي ، ووسعت كل شئ رحمتي ، وبلغ كل شئ لطفي ، فأنا الله
يا معشر الخلائق فاعرفوا مكاني ، فليس شئ في السماوات والأرضين إلا أنا ، وخلقي كلهم لا يقوم ولا يدوم
إلا بي ، ويتقلب في قبضتي ، ويعيش برزقي ، وحياته وموته وبقاؤه وفناؤه بيدي ، فليس له
محيص ولا ملجأ غيري ، لو تخليت عنه طرفة عين لدمر كله ، وكنت أنا على حالي لا ينقصني ذلك
شيئا ، ولا ينقص ذلك ملكي شيئا ، وأنا مستغن بالعز كله في جبروتي وملكي ، وبرهان نوري ،
البداية والنهاية — صفحة 309
مساهمون: ابن كثير
ص٣٠٩