نفس الذباب ، وتتغذون الغداء من شرابكم ، وتبتلعون أمثال الجبال من الحرام ، وتثقلون الدين
على الناس أمثال الجبال ، ثم لا تعينوهم برفع الخناصر ، وتبتلعون الصلاة وتبيضون الثياب ،
تنتقصون بذلك مال اليتيم والأرملة ، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل فيها رأي ذي الرأي
وحكمة الحكيم .
وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن محمد الصنعاني ، حدثنا همام بن مسلمة ، حدثنا غوث بن
جابر ، حدثنا عقيل بن معقل قال : سمعت وهب بن منبه يقول : إن الله ليس يحمد أحدا على
طاعة ، ولا ينال أحد من الله خيرا إلا برحمته ، وليس يرجو الله خير الناس ولا يخاف شرهم ، ولا
يعطف الله على الناس إلا برحمته إياهم ، إن مكروا به أباد مكرهم ، وإن خادعوه رد عليهم
خداعهم ، وإن كاذبوه كذب بهم ، وإن أدبروا قطع دابرهم ، وإن أقبلوا قبل منهم ولا يقبل منهم
شيئا من حيلة ، ولا مكر ولا خداع ولا سخط ولا مشادة ، وإنما يأتي بالخير من الله تعالى رحمته ، ومن
لم يبتغ الخير من قبل رحمته لا يجد بابا غير ذلك يدخل منه ، فإن الله تعالى لا ينال الخير منه إلا بطاعته ،
ولا يعطف الله على الناس شئ إلا تعبدهم له ، وتضرعهم إليه حتى يرحمهم ، فإذا رحمهم
استخرجت رحمته منه حاجتهم ، وليس ينال الخير من الله من وجه غير ذلك ، وليس إلى رحمة الله
سبيل تؤتى من قبله إلا تعبد العباد له وتضرعهم إليه ، فإن رحمة الله عز وجل باب كل خير يبتغى من
قبله ، وإن مفتاح ذلك الباب التضرع إلى الله عز وجل والتعبد له ، فمن ترك المفتاح لم يفتح له ، ومن
جاء بالمفتاح فتح له به ، وكيف يفتح الباب بغير مفتاح ، ولله خزائن الخير كله ، وباب خزائن الله
رحمته ، ومفتاح رحمة الله التذلل والتضرع والافتقار إلى الله ، فمن حفظ ذلك المفتاح فتحت له
الخزائن ودخل ، فله فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وفيها ما تشاؤون وما تدعون في مقام أمين ، لا
يحولون عنه ولا يخافون ولا ينصبون ولا يهرمون ولا يفتقرون ولا يموتون ، في نعيم مقيم ، وأجر
عظيم ، وثواب كريم ، نزلا من غفور رحيم .
وقال سفيان بن عيينة : قال وهب : أعون الأخلاق على الدين الزهادة في الدنيا ، وأسرعها
ردا اتباع الهوى وحب المال والشرف ، ومن حب المال والشرف تنتهك المحارم ، ومن انتهاك المحارم
بغضب الرب ، وغضب الله ليس له دواء . وقال : يقول الله تعالى في بعض كتبه يعتب به بني
إسرائيل : إني إذا أطمعت رضيت ، وإذا رضيت باركت ، وليس لبركتي نهاية ، وإذا عصيت غضبت
وإذا غضبت لعنت ، وإن اللعنة متى تبلغ السابع من الولد . وقال : كان في بني إسرائيل رجل عصى
الله عز وجل مائتي سنة ، ثم مات فأخذوا برجله فألقوه على مزبلة ، فأوحى الله إلى موسى : ان صل
عليه ، فقال : يا رب إن بني إسرائيل شهدوا أنه قد عصاك مائتي سنة ، قال الله له : نعم هكذا
كان ، إلا أنه كان كلما نشر التوراة ورأى اسم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قبله ووضعه على عيينة وصلى عليه
فشكرت ذلك له فغفرت له ذنوبه وزوجته سبعين حوراء . كذا روي وفيه علل ، ولا يصح مثله
البداية والنهاية — صفحة 307
مساهمون: ابن كثير
ص٣٠٧