وخرج منها التفت إليها وبكى وقال لمولاه : يا مزاحم ، نخشى أن نكون ممن نفت المدينة - يعني أن
المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد - وينصع طيبها . قلت : خرج من المدينة فنزل بمكان
قريب منها يقال له السويداء حينا ( 1 ) ، ثم قدم دمشق على بني عمه . قال محمد بن إسحاق عن
إسماعيل بن أبي حكيم . قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : خرجت من المدينة وما من
رجل أعلم مني ، فلما قدمت الشام نسيت . وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد بن زيد ، عن
معمر عن الزهري قال : سهرت مع عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فحدثته ، فقال : كل ما حدثت
فقد سمعته ولكن حفظت ونسيت . وقال ابن وهب عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري قال قال
عمر بن عبد العزيز : بعث إلي الوليد ذات ساعة من الظهيرة ، فدخلت عليه فإذا هو عابس ، فأشار
إلي أن اجلس ، فجلست فقال : ما تقول فيمن يسب الخلفاء أيقتل ؟ فسكت ، ثم عاد فسكت ، ثم
عاد فقلت : أقتل يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، ولكن سب ، فقلت : ينكل به ، فغضب وانصرف
إلى أهله ، وقال لي ابن الريان السياف : اذهب ، قال : فخرجت من عنده وما تهب ريح إلا وأنا
أظن أنه رسول يردني إليه . وقال عثمان بن زبر : أقبل سليمان بن عبد الملك وهو أمير المؤمنين ومعه
عمر بن عبد العزيز على معسكر سليمان ، وفيه تلك الخيول والجمال والبغال والأثقال والرجال ، فقال
سليمان : ما تقول يا عمر في هذا ؟ فقال : أرى دنيا يأكل بعضها بعضا وأنت المسؤول عن ذلك كله ،
فلما اقتربوا من المعسكر إذا غراب قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان وهو طائر بها ، ونعب نعبة ،
فقال له سليمان : ما هذا يا عمر ؟ فقال : لا أدري ، فقال : ما ظنك أنه يقول ؟ قلت : كأنه يقول :
من أين جاءت وأين يذهب بها ؟ فقال له سليمان : ما أعجبك ؟ فقال عمر : أعجب ممن عرف الله
فعصاه ، ومن عرف الشيطان فأطاعه ، ومن عرف الدنيا فركن إليها .
وتقدم أنه لما وقف سليمان وعمر بعرفة ورأى سليمان كثرة الناس فقال له عمر : هؤلاء رعيتك
اليوم وأنت مسؤول عنهم غدا . وفي رواية وهم خصماؤك يوم القيامة ، فبكى سليمان وقال : بالله
نستعين . وتقدم أنهم لما أصابهم ذلك المطر والرعد فزع سليمان وضحك عمر فقال له : أتضحك ؟
فقال : نعم هذه آثار رحمته ونحن في هذه الحال ، فكيف بآثار غضبه وعقابه ونحن في تلك الحال ؟
وذكر الامام مالك أن سليمان وعمر تقاولا مرة فقال له سليمان في جملة الكلام : كذبت ، فقال : تقول
كذبت ؟ والله ما كذبت منذ عرفت أن الكذب يضر أهله ، ثم هجره عمر وعزم على الرحيل إلى
مصر ، فلم يمكنه سليمان ، ثم بعث إليه فصالحه وقال له : ما عرض لي أمر يهمني إلا خطرت على
هامش
( 1 ) في هامش المطبوعة : السويداء أرض كان يملكها عمر بن عبد العزيز واستنبط فيها من عطائه عن ماء ، وله فيها
قصر مبني ، ولما تنازل لبيت المال عن جميع ما ورثه عن آبائه أبقى السويداء وخيبر لأنه اطمأن إلى انهما حلال خالص
ليس في أية شبهة ، وكان هو خليفة يأكل من غلتها وينفق ما يزيد عن الضرورة .