عبد العزيز تأخر عن الصلاة مع الجماعة يوما فقال صالح بن كيسان : ما شغلك ؟ فقال : كانت
مرجلي تسكن شعري ، فقال له : قدمت ذلك على الصلاة ؟ وكتب إلى أبيه وهو على مصر يعلمه
بذلك ، فبعث أبوه رسولا فلم يكلمه حتى حلق رأسه . وكان عمر بن عبد العزيز يختلف إلى
عبيد الله بن عبد الله يسمع منه ، فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص عليا ، فلما أتاه عمر أعرض عبيد الله
عنه وقام يصلي ، فجلس عمر ينتظره ، فلما سلم أقبل على عمر مغضبا وقال له : متى بلغك أن الله
سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ؟ قال ففهمها عمر وقال : معذرة إلى الله ثم إليك ، والله لا
أعود ، قال : فما سمع بعد ذلك يذكر عليا إلا بخير . وقال أبو بكر بن أبي خيثمة ، ثنا أبي ، ثنا
المفضل بن عبد الله ، عن داود بن أبي هند . قال : دخل علينا عمر بن عبد العزيز من هذا الباب -
وأشار إلى باب من أبواب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم - فقال رجل من القوم : بعث الفاسق لنا بابنه هذا يتعلم
الفرائض والسنن ، ويزعم أنه لن يموت حتى يكون خليفة ، ويسير سيرة عمر بن الخطاب . قال
داود : والله ما مات حتى رأينا ذلك فيه .
وقال الزبير بن بكار : حدثني العتبي قال : إن أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز
حرصه على العلم ورغبته في الأدب ، إن أباه ولي مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه ، فأراد أبوه
إخراجه معه إلى مصر من الشام ، فقال : يا أبة أو غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك ؟ قال : وما
هو ؟ قال : ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها وأتأدب بآدابهم . فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة ،
وأرسل معه الخدام ، فقعد مع مشايخ قريش ، وتجنب شبابهم ، وما زال دأبه حتى اشتهر ذكره ، فلما
مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده ، وقدمه على كثير منهم ، وزوجه
بابنته فاطمة ، وهي التي يقول الشاعر فيها :
بنت الخليفة والخليفة جدها * أخت الخلائف والخليفة زوجها
قال : ولا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها .
قال العتبي : ولم يكن حاسد عمر بن عبد العزيز ينقم عليه شيئا سوى متابعته في النعمة ،
والاختيال في المشية ، وقد قال الأحنف بن قيس : الكامل من عدت هفواته ولا تعد إلا من قلة . وقد
ورث عمر من أبيه من الأموال والمتاع والدواب هو وإخوته ما لم يرثه غيره فيما نعلم ، كما تقدم ذلك ،
ودخل يوما على عمه عبد الملك وهو يتجانف في مشيته فقال : يا عمر مالك تمشي غير مشيتك ؟ قال :
إن في جرحا ، فقال : وأين هو من جسدك ؟ قال : بين الرانقة والصفن - يعني بين طرف الالية
وجلدة الخصية - فقال عبد الملك لروح بن زنباع : بالله لو رجل من قومك سئل عن هذا ما أجاب
بمثل هذا الجواب . قالوا : ولما مات عمه عبد الملك حزن عليه ولبس المسوح تحت ثيابه سبعين يوما ،
ولما ولي الوليد عامله بما كان أبوه يعامله به ، وولاه المدينة ومكة والطائف من سنة ست وثمانين إلى سنة
ثلاث وتسعين ، وأقام للناس الحج سنة تسع وثمانين ، وسنة تسعين ، وحج الوليد بالناس سنة
البداية والنهاية — صفحة 218
مساهمون: ابن كثير
ص٢١٨