والمقصود أن عيسى ينزل على المنارة الشرقية بدمشق ، والبلد محصور محصن من الدجال ،
فينزل على المنارة - وهي هذه المنارة المبنية في زماننا من أموال النصارى ( 1 ) - ثم يكون نزول عيسى حتفا
لهم وهلاكا ودمارا عليهم ، ينزل بين ملكين واضعا يديه على مناكبهما ، وعليه مهروذتان ، وفي رواية
ممصرنان ( 2 ) يقطر رأسه ماء كأنما خرج من ديماس ، وذلك وقت الفجر ، فينزل على المنارة وقد أقيمت
الصلاة ، وهذا إنما يكون في المسجد الأعظم بدمشق ، وهو هذا الجامع . وما وقع في صحيح مسلم
من رواية النواس بن سمعان الكلابي : فينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق ، كأنه والله أعلم
مروي بالمعنى بحسب ما فهمه الراوي ، وإنما هو ينزل على المنارة الشرقية بدمشق ، وقد أخبرت ولم
أقف عليه إلى الآن أنه كذلك ، في بعض ألفاظ هذا الحديث ، في بعض المصنفات ، والله المسؤول
المأمول أن يوفقني فيوقفني على هذه اللفظة ، وليس في البلد منارة تعرف بالشرقية سوى هذه ، وهي
بيضاء بنفسها ، ولا يعرف في بلاد الشام منارة أحسن منها ، ولا أبهى ولا أعلى منها ، ولله الحمد
والمنة .
قلت : نزول عيسى على المنارة التي بالجامع الأموي غير مستنكر ، وذلك أن البلاء بالدجال
يكون قد عم فينحصر الناس داخل البلد ، ويحصرهم الدجال بها ، ولا يتخلف أحد عن دخول البلد
إلا أن يكون متبعا للدجال ، أو مأسورا معه ، فإن دمشق في آخر الزمان تكون معقل المسلمين
وحصنهم من الدجال ، فإذا كان الامر كذلك فمن يصلي خارج البلد ، والمسلمون كلهم داخل
البلد ، وعيسى إنما ينزل وقد أقيمت الصلاة فيصلي مع المسلمين ، ثم يأخذهم ويطلب الدجال
ليقتله ، وبعض العوام يقول : إن المراد بالمنارة الشرقية بدمشق ، منارة مسجد بلاشو ، خارج باب
شرقي . وبعضهم يقول : المنارة التي على نفس باب شرقي . فالله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو
سبحانه العالم بكل شئ ، المحيط بكل شئ ، القادر على كل شئ ، القاهر فوق كل شئ ، لا
يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض .
الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا عليهما السلام
وروى ابن عساكر عن زيد بن واقد قال : وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق ،
فوجدنا مغارة فعرفنا الوليد ذلك ، فلما كان الليل وافانا وبين يديه الشمع ، فنزل فإذا هي كنيسة
هامش
( 1 ) تقدم انها بنيت بعد الحريق الذي أصاب الجامع والبناء بأكمله سنة 461 ه .
( 2 ) مهروذتان : وتروى مهرودتان والوجهان مشهوران . ومعناها : ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران . وقيل هما
شقتان والشقة نصف الملاءة .
وممصرتان : الثياب التي فيها صفرة خفيفة .