أجتنيها ( 1 ) . وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك ، وقد انتقل بعد النبي
( صلى الله عليه وسلم ) فسكن البصرة ، وكان له بها أربع دور ، وقد ناله أذى من جهة الحجاج ، وذلك في فتنة ابن
الأشعث ، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الامر ، وأنه أفتى فيه ، فختمه الحجاج في عنقه ، هذا
عنق الحجاج ، وقد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك ، فكتب إلى الحجاج يعنفه ، ففزع الحجاج
من ذلك وصالح أنسا . وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته ، قيل في سنة ثنتين
وتسعين ، وهو يبني جامع دمشق ، قال مكحول : رأيت أنسا يمشي في مسجد دمشق فقمت إليه
فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال : لا وضوء . وقال الأوزاعي : حدثني إسماعيل بن عبد الله بن أبي
المهاجر قال : قدم أنس على الوليد فقال له الوليد : ماذا سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يذكر به
الساعة ؟ فقال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " أنتم والساعة كهاتين " . ورواه عبد
الرزاق بن عمر عن إسماعيل قال : قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين فذكره . وقال
الزهري : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت : ما يبكيك ؟ قال : لا أعرف مما كان
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه إلا هذه الصلاة ، وقد صنعتم فيها ما صنعتم . وفي رواية وهذه الصلاة
قد ضيعت - يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون
على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز أيام خلافته كما سيأتي ، وقال عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ،
عن جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس . قال : جاءت بي أمي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا غلام
فقالت : يا رسول الله خويدمك أنيس فادع الله له . فقال ، " اللهم أكثر ماله وولده وأدخله
الجنة " . قال : فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة ، وفي رواية قال أنس : فوالله إن مالي لكثير حتى
نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة ، وفي رواية وإن
ولدي لصلبي مائة وستة . ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ منتشرة جدا ، وفي رواية قال أنس :
وأخبرتني بنتي آمنة أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومائة . وقد تقصى ذلك بطرقه
وأسانيده وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أنس ، وقد أوردنا طرفا من ذلك في كتاب دلائل
النبوة في أواخر السيرة ولله الحمد . وقال ثابت لانس : هل مست يدك كف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟
قال : نعم ! قال فأعطنيها أقبلها ، وقال محمد بن سعد عن مسلم بن إبراهيم عن المثنى بن سعيد
الذراع ( 2 ) قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
ثم يبكي . وقال محمد بن سعد عن أبي نعيم ( 3 ) عن يونس بن أبي إسحاق عن المنهال بن عمرو
هامش
( 1 ) قال في النهاية : أي كناه أبا حمزة . وقال الأزهري : البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذع فسميت حمزة ،
والحمزة التي في طعمها حموضة . وفي القاموس : الحمزة الأسد وبقلة .
( 2 ) في ابن سعد 7 / 22 : الذارع .
( 3 ) في ابن سعد 1 / 482 : الفضل بن دكين ، والمعروف بأبي نعيم الملائي وهو من كبار شيوخ البخاري .