وفيها افتتح محمد بن القاسم - وهو ابن عم الحجاج بن يوسف ( 1 ) . مدينة الدبيل وغيرها من
بلاد الهند وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة ، فسار في الجيوش فلقوا الملك
داهر - وهو ملك الهند - في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلا منتخبة ، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب
الملك داهر ، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جدا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الملك داهر
وغالب من معه ، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه . ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة
الكبرج وبرها ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة ، من الجواهر والذهب وغير ذلك . فكانت
سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل إلا ذلك ، قد علت كلمة الاسلام في مشارق الأرض
ومغاربها ، وبرها وبحرها ، وقد أذلوا الكفر وأهله ، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبا ، لا
يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه ، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون
والأولياء والعلماء من كبار التابعين ، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه . فقتيبة بن
مسلم يفتح في بلاد الترك ، يقتل ويسبي ويغنم ، حتى وصل إلى تخوم الصين ، وأرسل إلى ملكه
يدعوه ، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفا وأموالا كثيرة هدية ، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة
جنده ، بحيث أن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفا منه . ولو عاش الحجاج لما أقلع
عن بلاد الصين ، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها ، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر . ثم إن
قتيبة قتل بعد ذلك ، قتله بعض المسلمين . ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد
وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية ، وبنى بها
مسلمة جامعا يعبد الله فيه ، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعبا . ومحمد بن القاسم ابن أخي الحجاج
يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة من جيش العراق وغيرهم . وموسى بن نصير يجاهد في بلاد
المغرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم . وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها
في الاسلام وتركوا عبادة الأوثان . وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه
النواحي ودخلوا في مبانيها ، بعد هذه الأقاليم الكبار ، مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل بلاد
الترك ، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب ، وأوائل بلاد الهند . فكان سوق الجهاد قائما في
القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بني أمية وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور
وأولاده ، والرشيد وأولاده ، في بلاد الروم والترك والهند . وقد فتح محمود سبكتكين وولده في أيام
ملكهم بلادا كثيرة من بلاد الهند ، ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها
أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها . ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلادا
كثيرة ، وضعف الاسلام فيها ، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية ، وضعف
الاسلام وقل ناصروه ، وجاء الفرنج فأخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من
هامش
( 1 ) هو محمد بن القاسم بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي يجتمع هو والحجاج في الحكم ( ابن الأثير 4 / 534 ) .