تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف ذوي الألباب — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
وَمَرَّ - قَرِيبًا - أَنَّ فِيهِ جَمِيعَ حَوَادِثِ العَالَمِ العُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ ( 1 ) . قُلْتُ : وَهُنَا إِشْكَالٌ ، وَهُوَ أَنَّ مَا مِقْدَارُهُ ( 2 ) خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ كَيْفَ يَسَعُ كِتَابَةَ جَمِيعِ حَوَادِثِ العَالَمِ ، مَعَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ أَحْرُفَ القُرْآنِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا كَجَبَلِ ق ( 3 ) ، تَحْتَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ المَعَانِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ . فَعَلَى هَذَا : حُرُوفُ القُرْآنِ - وَحْدَهُ - تَمْلَأُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ - أَوْ تَكَادُ تَمْلَؤُهُ - ، فَضْلًا ( 4 ) عَنْ بَقِيَّةِ حَوَادِثَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا .
هامش
( 1 ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّازِيِّ فِي « تَفْسِيرِهِ » ( 19 / 52 ) . ( 2 ) بِالرَّفْعِ - هُنَا - ؛ لِوُجُودِ ( مَا ) الزَّائِدَةِ - أَوِ الكَافَّةِ - الَّتِي تَكُفُّ ( أَنَّ ) عَنْ عَمَلِهَا فِي نَصْبِ المُبْتَدَإِ وَرَفْعِ الخَبَرِ ، فَيَرْجِعُ مَا بَعْدَهَا عَلَى أَصْلِ الابْتِدَاءِ وَالخَبَرِيَّةِ ، وَمِثْلُ ( أَنَّ ) سَائِرُ الأَحْرُفِ المُشَبَّهَةِ بِالفِعْلِ . ( 3 ) هُوَ جَبَلٌ زَعَمُوا أَنَّهُ مُحِيطٌ بِالأَرْضِ ؛ اسْتِنَادًا إِلَى آثَارٍ مَرْوِيَّةٍ عَنِ بَعْضِ السَّلَفِ ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : « خَلَقَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - جَبَلًا يُقَالُ لَهُ : ( ق ) ، مُحِيطٌ بِالأَرْضِ ، وَعُرُوقُهُ إِلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الأَرْضُ ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أَمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ ، فَيُحَرِّكُ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ ، فَيُزَلْزِلُهَا وَيُحَرِّكُهَا ، فَمِنْ ثَمَّ تُحَرَّكُ القَرْيَةُ دُونَ القَرْيَةِ » ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي « العُقُوبَاتِ » ( ص 32 ) ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي « العَظَمَةِ » ( 4 / 1489 ) . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي « تَفْسِيرِهِ » ( 7 / 394 ) : « وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا : ( ق ) جَبَلٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأَرْضِ ، يُقَالُ لَهُ : جَبَلُ قَافٍ ، وَكَأَنَّ هَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - مِنْ خُرَافَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخَذَهَا عَنْهُمْ بَعْضُ النَّاسِ لَمَّا رَأَى مِنْ جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا - وأَمْثَالَهُ وَأَشْبَاهَهُ - مِنَ اخْتِلَاقِ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ ، يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ . . . » . ( 4 ) بِالنَّصْبِ - دَائِمًا - ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ قَدْ أَشْكَلَ عَلَى أَهْلِ النَّحْوِ إِعْرَابُهُ ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَأَقْوَالٌ ؛ مِنْ أَشْهَرِهَا : نَصْبُهُ عَلَى المَصْدَرِ لِفْعِلٍ مَحْذُوفٍ أَوِ عَلَى الحَالِ . وَيُرَادُ بِهِ : اسْتِبْعَادُ الأَدْنَى ثُمَّ اسْتِحَالَةُ مَا فَوْقَهُ ؛ كَقَوْلِكَ : ( فُلَانٌ لَا يَمْلِكُ دِرْهَمٌ فَضْلًا عَنْ دِينَارٍ ) ؛ أَيْ : ( فُلَانٌ لَا يَمْلِكُ دِرْهَمًا فَكَيفَ يَمْلِكُ دِينَارًا ؟ ! ) ، وَيَكْثُرُ فِيهِ ذِكْرُ المُحَالِ فِي الشَّطْرِ الأَوَّلِ ثُمَّ المُسْتَبْعَدِ فِي الثَّانِي ، وَالأَصْوَبُ وَالأَقْوَمُ عَكْسُهُ . وَلَا يَحْسُنُ إِيْرَادُهُ فِي السِّيَاقِ المَذْكُورِ - عِنْدَ النُّحَاةِ المُحَقِّقِينَ - ؛ لَأَنَّ هَذَا التَّرْكيبَ اللُّغَوِيَّ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ نَفْيٍ لَفْظِيٍّ أَوْ ضِمْنِيٍّ ، وَيَجِبُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فِيهِ : الاسْتِبْعَادُ وَالنَّفْيُ أَوِ النَّفْيُ بَعْدَ إِثْبَاتٍ ، وَالسِّيَاقُ فِي المَتْنِ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ القَاعِدَةِ . وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ : لَوْ قَدَّرْنَا ( فَكَيْفَ ) بَدَلًا مِنْ ( فَضْلًا عَنْ ) فِي السِّيَاقِ المَذْكُورِ لَصَحَّ ذَلِكَ ؛ كَقَوْلِنَا : ( حُرُوفُ القُرْآنِ تَمْلَأُ اللَّوْحَ المَحْفُوظُ فَكَيْفَ يَمْلَأُ بَقِيَّةَ الحَوَادِثِ ؟ ! ) . قُلْنَا : هَذَا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ - عَلَى إِطْلَاقِهِ - ، لأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الإِضَافَةِ وَالمَعِيَّةِ ، فَتَقُولُ : ( حُرُوفُ القُرْآنِ تَمْلَأُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ فَكَيْفَ بِإِضَافَةِ بَقِيَّةِ الحَوَادِثِ مَعَهَا ؟ ! ) ، فَهُنَا تَحَقَّقَتِ الإِضَافَةُ وَلَيْسَ الاسْتِبْعَادَ وَالنَّفْيَ ، فَالأَوْلَى وَالأَجْدَرُ فِي هَذَا المَقَامِ أَنْ يُسْتَعَمَلَ فِيهَا ( إِضَافَةً إِلَى ) ، وَفَرْقٌ بَيْنَ التَّرْكِيبَيْنِ . وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ تَحْقِيقِ الأَقْوَمِ وَالأَفْصَحِ لِلِسَانِ العَرَبِ ، وَإِلَّا فَقَدْ غَلَبَ عَلَى هَذَا التَّرْكِيبِ إِشَاعَةُ لَفْظِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ ، وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى مَعْنَى ( إِضَافَةً إِلَى ) وَ ( فَكَيْفَ ) ، وَلِهَذَا أَقَرَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ النَّفْيِ وَلَيْسَ مُطْلَقًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعُدَّهُ مِنْ كَلَامِ العَرَبِ . وَانْظُرْ - لِمَزِيدِ بَيَانٍ - « الرَّسَالَةَ السَّفَرِيَّةَ » لابْنِ هِشَامٍ ( ص 11 ) ، وَحَاشِيَةَ السُّيُوطِيِّ عَلَى « تَفْسِيرِ البَيْضَاوِيِّ » - المُسَمَّاةَ « نَوَاهِدَ الأَبْكَارِ وَشَوَارِدَ الأَفْكَارِ » - ( 1 / 199 ) .