شمر ، حدثني إسماعيل السدي ، سمعت أبا أراكة يقول : صليت مع علي صلاة الفجر فلما انفتل
عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم
قلب يده فقال : والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيئا يشبههم ، لقد كانوا
يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى ، قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب
الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم ، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم
الريح ، وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم ، والله لكأن القوم باتوا غافلين ، ثم نهض فما رئي بعد
ذلك مفترا يضحك حتى قتله ابن ملجم عدو الله الفاسق . وقال وكيع : عن عمرو بن منبه ، عن
أوفى بن دلهم ، عن علي بن أبي طالب أنه قال : تعلموا العلم تعرفوا به ، واعملوا تكونوا من
أهله ، فإنه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره ، وإنه لا ينجو منه إلا كل أواب
منيب ، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المذابيع البذر ، ثم قال : ألا وإن الدنيا
قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد أتت مقبلة ، ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا
من أبناء الدنيا ، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا ، والتراب فراشا ، والماء طيبا ،
ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن
طلب الجنة سارع إلى الطاعات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ، ألا إن لله عبادا كمن
رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين ، وأهل النار في النار معذبين ، شرورهم مأمونة ، وقلوبهم
محزونة ، وأنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياما قليلة لعقبى راحة طويلة ، أما الليل
فصافون أقدمهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم . وأما النهار
فظماء حلماء بررة أتقياء ، كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض ،
وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم . وعن الأصبغ بن نباتة قال : صعد علي ذات يوم المنبر
فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت فقال : عباد الله الموت ليس منه فوت ، إن أقمتم له أخذكم ،
وإن فررتم منه أدرككم ، فالنجا النجا ، والوحا الوحا ، إن وراءكم طالب حثيث القبر فاحذورا
ضغطته وظلمته ووحشته ، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار ، أو روضة من رياض الجنة ، ألا
وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول : أنا بيت الظلمة ، أنا بيت الدود ، أنا بيت الوحشة ،
ألا وإن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير ، * ( وتضع كل ذات حمل حملها ،
وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) * [ الحج : 2 ] ألا وإن وراء ذلك
ما هو أشد منه ، نار حرها شديد ، وقعرها بعيد ، وحليها ومقامعها حديد ، وماؤها صديد ،
وخازنها مالك ليس لله فيه رحمة . قال : ثم بكى وبكى المسلمون حوله ، ثم قال : ألا وإن وراء
ذلك جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، جعلنا الله وإياكم من المتقين ، وأجارنا
وإياكم من العذاب الأليم . ورواه ليث بن أبي سليم عن مجاهد : حدثني من سمع عليا فذكر
نحوه . وقال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم قال : خطب علي فقال : أما بعد فإن الدنيا
البداية والنهاية — صفحة 7
مساهمون: ابن كثير
ص٧