وأبي بكر مثل حبها ابن الزبير ، قال : وما رأيت أبي وعائشة يدعوان لاحد من الخلق مثل دعائهما
لابن الزبير .
وقال الزبير بن بكار : حدثني أخي هارون بن أبي بكر ، عن يحيى بن إبراهيم ، عن
سليمان بن محمد ، عن يحيى بن عروة ، عن عمه عن عبد الله بن عروة قال أفحمت ألسنة نابغة بني
جعدة فدخل على عبد الله بن الزبير المسجد الحرام فأنشد هذه الأبيات :
حكيت لنا الصديق لما وليتها * وعثمان وفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا * فعاد صباحا حالك اللون مظلم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا * دجى الليل جواب الفلاة غشمشم
لتجير منه جائيا غدرت به * صروف الليالي والزمان المصمم
فقال له ابن الزبير : هون عليك أبا ليلى . فإن الشعر أهون رسائلك عندنا ، أما صفوه فما
لنا فلآل الزبير ، وأما عفوه فإن بني أسد يشغلها عنك وتيما ، ولكن لك في مال الله حقان ، حق
لرؤيتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحق لشركتك أهل الاسلام في فيئهم ، ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم
فأعطاه قلائص سبعا وجملا وخيلا ، وأوقر له الركاب برا وتمرا وثيابا ، فجعل النابغة يستعجل
ويأكل الحب صرفا ، فقال له ابن الزبير : ويح أبي ليلى ، لقد بلغ الجهد . فقال النابغة : أشهد
لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما وليت قريش وعدلت ، واسترحمت فرحمت وحدثت
فصدقت ، ووعدت خيرا فأنجزت ، فأنا والنبيون فرط العاصفين " .
وقال محمد بن مروان صاحب كتاب المجالسة : أخبرني خبيب بن نصير الأزدي ثنا محمد بن
دينار الضبي ، ثنا هشام بن سليمان المخزومي ، عن أبيه قال : أذن معاوية للناس يوما فدخلوا
عليه فاحتفل المجلس وهو على سريره ، فأجال بصره فيهم فقال : أنشدوني لقدماء العرب ثلاثة
أبيات جامعة من أجمع ما قالتها العرب ، ثم قال : يا أبا خبيب فقال : مهيم ، قال أنشد ذلك ،
فقال : نعم يا أمير المؤمنين بثلاثمائة ألف كل بيت بمائة ألف ، قال : نعم إن ساوت ، قال أنت
بالخيار ، وأنت واف كاف ، فأنشده للأفوه الأزدي :
بلوت الناس قرنا بعد قرن * فلم أر غير ختال وقال
فقال معاوية صدق
ولم أر في الخطوب أشد وقعا * وكيدا من معادات الرجال
فقال معاوية صدق
وذقت مرارة الأشياء طرا * فما شئ أمر من السؤال
فقال صدق
البداية والنهاية — صفحة 371
مساهمون: ابن كثير
ص٣٧١