تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
فأكرمهم وأحسن إليهم وعظم جوائزهم ، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة ، إلا المنذر بن الزبير فإنه سار إلى صاحبه عبيد الله بن زياد بالبصرة ، وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف نظير أصحابه من أولئك الوفد ، ولما رجع وفد المدينة إليها أظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا : قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر وتعزف عنده القينات بالمعازف ( 1 ) ، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه ، فتابعهم الناس على خلعه ، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على الموت ، وأنكر عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ( 2 ) ، ورجع المنذر بن الزبير من البصرة إلى المدينة فوافق أولئك على خلع يزيد ، وأخبرهم عنه أنه يشرب الخمر ويسكر حتى ترك الصلاة ، وعابه أكثر مما عابه أولئك . فلما بلغ ذلك يزيد قال : اللهم إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيت ، فأدركه وانتقم منه . ثم إن يزيد بعث إلى أهل المدينة النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا ويحذرهم غب ذلك ويأمرهم بالرجوع إلى السمع والطاعة ولزوم الجماعة ، فسار إليهم ففعل ما أمره يزيد وخوفهم الفتنة وقال لهم : إن الفتنة وخيمة ، وقال : لا طاقة لكم بأهل الشام ، فقال له عبد الله بن مطيع : ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا ؟ فقال له النعمان : أما والله لكأني وقد تركت تلك الأمور التي تدعو إليها ، وقامت الرجال على الركب التي تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف ، ودارت رحا الموت بين الفريقين ، وكأني بك قد ضربت جنب بغلتك إلي ( 3 ) وخلفت هؤلاء المساكين - يعني الأنصار - يقتلون في سككهم ومساجدهم ، وعلى أبواب دورهم . فعصاه الناس فلم يسمعوا منه فانصرف وكان الامر والله كما قال سواء . قال ابن جرير : وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة كذا قال وفيه نظر ، فإنه إن كان في وفد أهل المدينة وقد رجعوا من عند يزيد فإنما وفد عثمان بن محمد بن أبي سفيان ، وإن كان قد حج بالناس فيها الوليد فما قدم وفد المدينة إلى يزيد إلا في أول سنة ثلاث وستين وهو أشبه والله أعلم .

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان

بريدة بن الحصيب الأسلمي كان إسلامه حين اجتاز به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر إلى المدينة عند كراع الغميم ، فلما كان هناك تلقاه بريدة في ثمانين نفسا من أهله فأسلموا ، وصلى بهم صلاة العشاء وعلمه ليلتئذ صدرا من سورة مريم ، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد أحد فشهد معه المشاهد كلها وأقام بالمدينة ، فلما فتحت البصرة نزلها واختط بها دارا ، ثم خرج إلى غزو خراسان فمات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية . ذكر موته غير واحد في هذه السنة .
هامش
( 1 ) في الطبري وابن الأثير : ويعزف بالصنابير ( ويضرب : في ابن الأثير ) ويضرب عنده القيان ( في ابن الأثير : ويعزف ) ويلعب بالكلاب ويسمر عنده الحراب ( اللصوص ) والفتيان . ( 2 ) لم يرد ذكره لا في الطبري ولا في ابن الأثير . ( 3 ) في الطبري وابن الأثير : إلى مكة .
البداية والنهاية — صفحة 236 | ابن كثير / علي شيري