ولكن هذا الذي تراه من الحزن وتغير الحال هو أني أعلم أنكم تأتون هذا الكاهن وهو بشر يخطئ
ويصيب ، وأخاف أن يخطئ في أمري بشئ يكون عاره على إلى آخر الدهر ، ولا آمنه أن يسمني
ميسما تكون علي سبة في العرب . فقال لها أبوها : لا تخافي فإني سوف أختبره وأمتحنه قبل أن يتكلم
في شأنك وأمرك ، فإن أخطأ فيما أمتحنه به لم أدعه يتكلم في أمرك . ثم إنه انفرد عن القوم - وكان
راكبا مهرا - حتى توارى عنهم خلف رابية فنزل عن فرسه ثم صفر له حتى أدلى ، ثم أخذ حبة بر
فأدخلها في إحليل المهر ، وأوكى عليها بسير حتى أحكم ربطها ، ثم صفر له حتى اجتمع إحليله ،
ثم أتى القوم فظنوا أنه ذهب ليقضي حاجة له ، ثم أتى الكاهن فلما قدموا عليه أكرمهم ونحر لهم ،
فقال له عتبة : إنا قد جئناك في أمر ، ولكن لا أدعك تتكلم فيه حتى تبين لنا ما خبأت لك ، فإني
قد خبأت لك خبيئا فانظر ما هو ، فأخبرنا به . قال الكاهن : ثمرة في كمرة ، قال : أريد أبين من
هذا ، قال : حبات بر في إحليل مهر ، قال : صدقت فخذ لما جئناك له ، أنظر في أمر هؤلاء
النسوة ، فأجلس النساء خلفه وهند معهم لا يعرفها ، ثم جعل يدنو من إحداهن فيضرب كتفها
ويبريها ويقول : انهضي ، حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال انهضي حصان رزان ، غير رسخا
ولا زانية ، ولتلدن ملكا يقال له معاوية . فوثب إليها الفكه فأخذ بيدها ، فنترت يدها من يده
وقالت له : إليك عني ، والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة ، والله لأحرصن أن يكون هذا الملك
من غيرك ، فتزوجها أبو سفيان بن حرب فجاءت منه بمعاوية هذا . وفي رواية أن أباها هو الذي
قال للفاكه ذلك والله سبحانه أعلم .
وهذه ترجمة معاوية وذكر شئ من أيامه
وما ورد في مناقبه وفضائله
وهو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ،
القرشي الأموي ، أبو عبد الرحمن ، خال المؤمنين ، وكاتب وحي رسول الله رب العالمين . وأمه هند
بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، أسلم معاوية عام الفتح ، وروي عنه أنه قال : أسلمت يوم
القضية ولكن كتمت إسلامي من أبي ، ثم علم بذلك فقال لي : هذا أخوك يزيد وهو خير منك
على دين قومه ، فقلت له : لم آل نفسي جهدا . قال معاوية : ولقد دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة
في عمرة القضاء وإني لمصدق به ، ثم لما دخل عام الفتح أظهرت إسلامي فجئته فرحب بي ، وكتبت
بين يديه . قال الواقدي : وشهد معه حنينا ، وأعطاه مائة من الإبل ، وأربعين أوقية من ذهب ،
وزنها بلال ، وشهد اليمامة . وزعم بعضهم أنه هو الذي قتل مسيلمة ، حكاه ابن عساكر ، وقد
يكون له شرك في قتله ، وإنما الذي طعنه وحشي ، وجلله أبو دجانة سماك بن خرشة بالسيف ،
وكان أبوه من سادات قريش ، وتفرد بالسؤدد بعد يوم بدر ، ثم لما أسلم حسن بعد ذلك إسلامه ،
وكان له مواقف شريفة ، وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله وما بعده ، وصحب معاوية
البداية والنهاية — صفحة 125
مساهمون: ابن كثير
ص١٢٥