نقش خاتم أبي بكر " نعم القادر الله " . وهذا غريب وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه ،
وسيرته وأيامه وما روي من الأحاديث ، وما روي عنه من الاحكام في مجلد ولله الحمد والمنة . فقام
بالامر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وهو أول من
سمي بأمير المؤمنين . وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة ، وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة
عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها في مجلد ، ومسنده والآثار المروية مرتبا على الأبواب في مجلد
آخر ولله الحمد .
وقد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس ، ومحمد بن جريح ، فوصلا
والناس مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا . وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين
ولاه وعزل خالد بن الوليد . وذكر سلمة عن محمد بن إسحاق أن عمر إنما عزل خالدا لكلام بلغه
عنه ، ولما كان من أمر مالك بن نويرة ، وما كان يعتمده في حربه . فلما ولى عمر كان أول ما تكلم
به أن عزل خالدا ، وقال : لا يلي لي عملا أبدا . وكتب عمر إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه
فهو أمير على ما كان عليه ، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول ، فانزع عمامته عن رأسه وقاسمه
ماله نصفين . فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد أمهلني حتى أستشير أختي ، فذهب إلى
أخته فاطمة - وكانت تحت الحارث بن هشام - فاستشارها في ذلك ، فقالت له : إن عمر لا يحبك
أبدا ، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك . فقال لها : صدقت والله ( 1 ) . فقاسمه أبو عبيدة حتى
أخذ [ إحدى ] نعليه وترك له الأخرى ، وخالد يقول سمعا وطاعة لأمير المؤمنين .
وقد روى ابن جرير ( 2 ) عن صالح بن كيسان أنه قال : أول كتاب كتبه عمر إلى أبي عبيدة
حين ولاه وعزل خالدا أن قال : " وأوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه ، الذي هدانا من
الضلالة ، وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم
الذي يحق عليك ، لا تقدم المسلمين [ إلى ] هلكة رجاء غنيمة ، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستر يده
لهم وتعلم كيف مأتاه ، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس ، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة ،
وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك ، فغض ( 3 ) بصرك عن الدنيا ، وآله قلبك عنها ، وإياك أن تهلكك كما
أهلكت من كان قبلك ، فقد رأيت مصارعهم . وأمرهم بالمسير إلى دمشق ( 4 ) " ، وكان بعد ما بلغه
الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة ، وحمل الخمس إليه . وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة
هامش
( 1 ) زاد الطبري : وأبى أن يكذب نفسه .
( 2 ) تاريخ الطبري 4 / 54 .
( 3 ) في الطبري : فغمض ، وفي فتوح الشام للأزدي : وغض عن الدنيا عينيك .
( 4 ) زاد الأزدي في فتوح ص 103 : فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وان بينك وبين الآخرة ستر الخمار ،
وكأني بك منتظر سفرا من دار قد مضت نضارتها ، وذهبت زهرتها ، وأحزم الناس من يكون زاده التقوى .