وجعلت الصحابة يتواصون بينهم ويقولون : يا أصحاب سورة البقرة ، بطل السحر اليوم ، وحفر
ثابت بن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه ، وهو حامل لواء الأنصار بعدما تحنط وتكفن ،
فلم يزل ثابتا حتى قتل هناك ، وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة : أتخشى أن نؤتى من قبلك ؟
فقال : بئس حامل القرآن أنا إذا ، وقال زيد بن الخطاب : أيها الناس عضوا على أضراسكم
واضربوا في عدوكم وامضوا قدما ، وقال : والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه
بحجتي ، فقتل شهيدا رضي الله عنه * وقال أبو حذيفة : يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال ،
وحمل فيهم حتى أبعدهم وأصيب رضي الله عنه ، وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم ، وسار
لجبال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله ، ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز ،
وقال : أنا ابن الوليد العود ، أنا ابن عامر وزيد ، ثم نادى بشعار المسلمين - وكان شعارهم يومئذ
يا محمداه - وجعل لا يبرز لهم أحد إلا قتله ، ولا يدنو منه شئ إلا أكله ، ودارت رحى المسلمين
ثم اقترب من مسيلمة فعرض عليه النصف والرجوع إلى الحق ، فجعل شيطان مسيلمة يلوي
عنقه ، لا يقبل منه شيئا ، وكلما أراد مسيلمة يقارب من الامر صرفه عنه شيطانه ، فانصرف
عنه خالد وقد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الاعراب ، وكل بني أب على رايتهم ، يقاتلون
تحتها ، حتى يعرف الناس من أين يؤتون ، وصبرت الصحابة في هذا الموطن صبرا لم يعهد مثله ،
ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم ، وولى الكفار الادبار ، واتبعوهم يقتلون
في أقفائهم ، ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا ، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت ، وقد
أشار عليهم محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل لعنه الله - بدخولها ، فدخلوها وفيها عدو الله
مسيلمة لعنه الله ، وأدرك عبد الرحمن بن أبي بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب
فقتله ( 1 ) ، وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم ، وأحاط بهم الصحابة ، وقال البراء بن مالك : يا
معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة ، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه
عليهم من فوق سورها ، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه ، ودخل المسلمون الحديقة من
حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة ، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله ،
وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ، وهو يريد يتساند ، لا يعقل من الغيظ ، وكان إذا
اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه ، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن
مطعم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابه وخرجت من الجانب الآخر ، وسارع إليه أبو دجانة
سماك بن خرشة ، فضربه بالسيف فسقط ، فنادت امرأة من القصر : وا أمير الوضاءة ، قتله العبد
الأسود ، فكان جملة من قتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبا من عشرة آلاف مقاتل ، وقيل : أحد
وعشرون ألفا ( 2 ) ، وقتل من المسلمين ستمائة ، وقيل : خمسمائة ( 3 ) ، فالله أعلم ، وفيهم من
هامش
( 1 ) في الفتوح : قتله ثابت بن قيس الأنصاري .
( 2 ) في الطبري والكامل : وقتل من بني حنيفة في الفضاء سبعة آلاف وفي حديقة الموت سبعة آلاف . وفي الطلب
نحو منها .
( 3 ) في الفتوح 1 / 40 : ألف ومائتي رجل ، [ ومنهم ] سبعمائة رجل كانوا حفاظ القرآن .