تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة ، فلما اتصلت بمسيلمة لعنهما الله ، ثم ترحلت إلى بلادها - فلما كان ذلك - ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره ، وتلوم في شأنه ، وهو نازل بمكان يقال له : البطاح ، فقصدها خالد بجنوده وتأخرت عنه الأنصار ، وقالوا : إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق ، فقال لهم خالد : إن هذا أمر لا بد من فعله ، وفرصة لا بد من انتهازها ، وإنه لم يأتني فيها كتاب ، وأنا الأمير وإلي ترد الاخبار ، ولست بالذي أجبركم على المسير ، وأنا قاصد البطاح . فسار يومين ثم لحقه رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار ، فلحقوا به ، فلما وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة ، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس ، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة ، وبذلوا الزكوات ، إلا ما كان مالك بن نويرة فإنه متحير في أمره ، متنح عن الناس ، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه ، واختلفت السرية فيهم ، فشهد أبو قتادة - الحرث بن ربعي الأنصاري - أنهم أقاموا الصلاة ، وقال آخرون : إنهم لم يؤذنوا ولا صلوا ، فيقال إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد ، فنادى منادي خالد : أن أدفئوا أسراكم ( 1 ) ، فظن القوم أنه أراد القتل ، فقتلوهم ، وقتل ضرار بن الأزور ( 2 ) مالك بن نويرة ، فلما سمع الداعية خرج وقد فرغوا منهم ، فقال : إذا أراد الله أمرا أصابه * واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة ، وهي أم تميم ابنة المنهال ، وكانت جميلة ، فلما حلت بني بها ، ويقال : بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح ، وعلى منعه الزكاة ، وقال : ألم تعلم أنها قرينة الصلاة ؟ فقال مالك : إن صاحبكم كان يزعم ذلك ، فقال : أهو صاحبنا وليس بصاحبك ؟ يا ضرار اضرب عنقه ، فضربت عنقه ، وأمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا ، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الاعراب ، من المرتدة وغيرهم ، ويقال : إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ولم تفرغ الشعر لكثرته ، وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق ، وتكلم عمر مع أبي قتادة في خالد : وقال للصديق : اعزله فإن في سيفه رهقا ، فقال أبو بكر لا أشيم سيفا سله الله على الكفار ، وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدا ، وعمر يساعده وينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي ، فوداه الصديق من عنده ، ومن قول متمم في ذلك : وكنا كندمانى جذيمة برهة ( 3 ) * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
هامش
( 1 ) أدفئوا أسراكم : في لغة كنانة تعني القتل . ( 2 ) في الطبري : عبد بن الأزور الأسدي ، وعند الكلبي وابن الأثير فكالأصل . ( 3 ) في الكامل لابن الأثير : حقبة .
البداية والنهاية — صفحة 354 | ابن كثير / علي شيري