الله عليك فحباك به ، وراسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه ، فركب إليها في أربعين من قومه ،
وجاء إليها فاجتمعا في خيمة ، فلما خلا بها وعرض عليها ما عرض من نصف الأرض ، وقبلت
ذلك ، قال مسيلمة : سمع الله لمن سمع ، وأطمعه بالخير إذا طمع ، ولا يزال أمره في كل ما يسر
مجتمع ، رآكم ربكم فحياكم ، ومن وحشته أخلاكم ، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم ، علينا من
صلوات معشر أبرار ، لا أشقياء ولا فجار ، يقومون الليل ويصومون النهار لربكم الكبار ، رب
الغيوم والأمطار * وقال أيضا : لما رأيت وجوههم حسنت ، وأبشارهم صفت وأيديهم طفلت ،
قلت لهم : لا النساء تأتون ، ولا الخمر تشربون ، ولكنكم معشر أبرار تصومون ( 1 ) ، فسبحان الله
إذا جاءت الحياة كيف تحيون ، وإلى ملك السماء كيف ترقون ، فلو أنها حبة خردلة لقام عليها
شهيد يعلم ما في الصدور ، ولأكثر الناس فيها الثبور * وقد كان مسيلمة لعنه الله شرع لمن اتبعه أن
الأعزب يتزوج فإذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ ، إلا أن يموت ذلك الولد الذكر ، فتحل
له النساء حتى يولد له ذكر ، هذا مما أقترحه لعنه الله ، من تلقاء نفسه * ويقال : إنه لما خلا
بسجاح سألها ماذا يوحي إليها ؟ فقالت : وهل يكون النساء يبتدئن ؟ بل أنت ماذا أوحى إليك ؟
فقال : ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى ؟ أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشا .
قالت : وماذا ؟ فقال : إن الله خلق للنساء أفراجا ، وجعل الرجال لهن أزواجا ، فنولج فيهن
قعسا إيلاجا ، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا ، فينتجن لنا سخالا إنتاجا . فقالت : أشهد أنك
نبي ، فقال لها : هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب ؟ قالت : نعم ، فقال :
ألا قومي إلى النيك * فقد هيئ لك المضجع * فإن شئت ففي البيت * وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت سلقناك * وإن شئت على أربع * وإن شئت بثلثيه * وإن شئت به أجمع
فقالت : بل به أجمع ، فقال : بذلك أوحي إلي ، وأقامت عنده ثلاثة أيام ، ثم رجعت إلى
قومها فقالوا : ما أصدقك ؟ فقالت : لم يصدقني شيئا ، فقالوا : إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير
صداق فبعثت إليه تسأله صداقا ، فقال : أرسلي إلى مؤذنك ، فبعثته إليه - وهو شبت بن ربعي -
فقال : ناد في قومك : إن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد -
يعني صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة - فكان هذا صداقها عليه لعنهما الله * ثم انثنت سجاح
راجعة إلى بلادها وذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرت راجعة إلى الجزيرة بعدما
قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه . فأقامت في قومها بني تغلب ، إلى زمان معاوية فأجلاهم
منها عام الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه .
هامش
( 1 ) في الطبري : تصومون يوما وتكلفون يوما .