تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
ووقفت أحياء كثيرة من الاعراب ينظرون على من تكون الدائرة ، وجاء طليحة فيمن معه من قومه ومن التف معهم وانضاف إليهم ، وقد حضر معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه ، بني فزارة ، واصطف الناس ، وجلس طليحة ملتفا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم ، وجعل عيينة يقاتل ما يقاتل ، حتى إذا ضجر من القتال يجئ إلى طليحة وهو ملتف في كسائه فيقول : أجاءك جبريل ؟ فيقول : لا ، فيرجع فيقاتل ، ثم يرجع فيقول له مثل ذلك ويرد عليه مثل ذلك ، فلما كان في الثالثة قال له : هل جاءك جبريل ؟ قال نعم ، قال : فما قال لك ؟ قال : قال لي إن لك رحاء كرحاه ، وحديثا لا تنساه ، قال يقول عيينة ، أظن أن قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه ، ثم قال : يا بني فزارة انصرفوا ، وانهزم وانهزم الناس عن طليحة ، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له ، وأركب امرأته النوار على بعير له ، ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه ، وقد قتل الله طائفة ممن كان معه ، فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع ، قالت بنو عامر وسليم وهوازن : ندخل فيما خرجنا منه ، ونؤمن بالله ورسوله ، ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا * قلت : وقد كان طليحة الأسدي ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمؤازرته عيينة بن حصن من بدر ، وارتد عن الاسلام ، وقال لقومه : والله لنبي من بني أسد أحب إلي من نبي من بني هاشم ، وقد مات محمد وهذا طليحة فاتبعوه ، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك ، فلما كسرهما خالد هرب طليحة بامرأته إلى الشام ، فنزل على بني كلب ( 1 ) ، وأسر خالد عيينة بن حصن ، وبعث به إلى المدينة مجموعة يداه إلى عنقه ، فدخل المدينة وهو كذلك فجعل الولدان والغلمان يطعنونه بأيديهم ، ويقولون : أي عدو الله ، ارتددت عن الاسلام ؟ فيقول : والله ما كنت آمنت قط ، فلما وقف بين يدي الصديق استتابه وحقن دمه ، ثم حسن إسلامه بعد ذلك ، وكذلك من على قرة بن هبيرة ، وكان أحد الامراء مع طليحة ، فأسره مع عيينة ، وأما طليحة فإنه راجع الاسلام بعد ذلك أيضا ، وذهب إلى مكة معتمرا أيام الصديق ، واستحيى أن يواجهه مدة حياته ، وقد رجع فشهد القتال مع خالد ، وكتب الصديق إلى خالد : أن استشره في الحرب ولا تؤمره - يعني معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرياسة في الباطن - وهذا من فقه الصديق رضي الله عنه وأرضاه ، وقد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طليحة ممن أسلم وحسن إسلامه : أخبرنا عما كان يقول لكم طليحة من الوحي ، فقال : إنه كان يقول : الحمام واليمام والصرد والصوام ، قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام ، إلى غير
هامش
( 1 ) في الطبري : ومضى طليحة حتى نزل في كلب على النقع . وفي الكامل : ثم نزل على كلب وفي فتوح ابن الأعثم : حتى صار إلى بني جفنة . وفي تاريخ اليعقوبي : وجاور في بني حنيفة .