تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وأزيد منه ، وذكر كتبا متواترة عن أهل المدينة ، في كيفية ظهورها شرق المدينة من ناحية وادي شظا ، تلقاء أحد ، وأنها ملأت تلك الأودية ، وأنه يخرج منها شرر يأكل الحجاز ، وذكر أن المدينة زلزلت بسببها ، وأنهم سمعوا أصوات مزعجة قبل ظهورها بخمسة أيام ، أول ذلك مستهل الشهر يوم الاثنين ( 1 ) ، فلم تزل ليلا ونهارا حتى ظهرت يوم الجمعة فانبجست تلك الأرض عند وادي شظا عن نار عظيمة جدا صارت مثل طوله أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال وعمقه قامة ونصف ، يسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك ، ثم يصير كالفحم الأسود ، وذكر أن ضوءها يمتد إلى تيماء بحيث كتب الناس على ضوئها في الليل ، وكأن في بيت كل منهم مصباحا ، ورأى الناس سناها من مكة شرفها الله ، قلت : وأما بصرى فأخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي قاسم التيمي الحنفي قال : أخبرني والدي ، وهو الشيخ صفي الدين أحد مدرسي بصرى ، أنه أخبره غير واحد من الاعراب صبيحة تلك الليلة من كان بحاضرة بلد بصرى ، أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز ، وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجأوا في هذه الأيام إلى المسجد النبوي ، وتابوا إلى الله من ذنوب كانوا عليها ، واستغفروا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم مما سلف منهم وأعتقوا الغلمان ، وتصدقوا على فقرائهم ومجاريحهم وقد قال قائلهم في ذلك : يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا * فقد أحاطت بنا يا رب بأساء نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها * حملا ونحن بها حقا أحقاء زلازل تخشع الصم الصلاد لها * وكيف تقوى على الزلزال صماء أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت * عن منظر منه عين الشمس عشواء بحر من النار تجري فوقه سفن * من الهضاب لها في الأرض إرساء يرى لها شرر كالقصر طائشة * كأنها ديمة تنصب هطلاء تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت * رعبا وترعد مثل الشهب أضواء منها تكاثف في الجو الدخان إلى * أن عادت الشمس منها وهي دهماء قد أثرت سعفة في البدر لفحتها * فليلة التم بعد النور ليلاء فيالها آية من معجزات رسول * الله يعقلها القوم الألباء ومما قيل من هذه النار مع غرق بغداد في هذه السنة : سبحان من أصبحت مشيئته * جارية في الورى بمقدار
هامش
( 1 ) ذكر القرطبي في التذكرة : قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة ، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت ، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة .
البداية والنهاية — صفحة 285 | ابن كثير / علي شيري